رحموني يكتب : مآلات التحول الديمقراطي في المغرب

رحموني

خالد رحموني *
 
لايحدث التحول الديمقراطي تلقائياً، ولا يتم لأن الطبقات الحاكمة اقتنعت بضرورة الانعطاف طوعا صوب الخيار الديمقراطي، بل يتم تحت ضغط سياسي وجماهيري لقوى سياسية ومدنية وجماهيرية لها رجحان في ميزان القوى.

 وتعتبر القوى الحزبية الحقيقية ذات العمق الشعبي أحد الأركان الأساسية لهذا التحول، وبدون تعددية سياسية وحزبية حقيقية متينة قوية وفعالة قادرة على تعبئة قطاعات وفئات وقوى جماهيرية واسعة، فإن القدرة على إنجاز ذلك التحول الديمقراطي نفسه تظل محدودة، ذلك أن الديمقراطية في جوهرها حق الشعب في اختيار حكامه وتغييرهم دورياً من خلال انتخابات حرة ونزيهة عبر صناديق الاقتراع، وهو في هذه الحالة سيختار ممثليه إلى مجلس النواب والمجالس الجماعية المحلية لاحقا وكذلك رئاسة الحكومة من بين بدائل عديدة مطروحة عليه وبرامج سياسية متمايزة بل ومتناقضة.

وما لم تكن الأحزاب السياسية قادرة على تقديم تلك البدائل وبلورة برامج سياسية تحقق مصالح المجتمع العليا وتحقق مصالح الفئات الاجتماعية التي تمثلها ولها نخب وقيادات وأطر وتسندها شرائح مختلفة من نسيج هذا الوطن المأسور لقوى الردة الفاسدة والمستبدة، فإن تداول السلطة سلميا وسياسيا والتناوب على دفة تدبيرها تنفيذيا يفقد قيمته الحقيقية وشرعيته السياسية هذا من ناحية،
ومن ناحية أخرى، فإن ذات التحول الديمقراطي، لا يحدث عفوا و لا يتأسس تلقائياً ولا يتم لأن قوى الحكم والطبقات المسندة لها قد اقتنعت إراديا بالديمقراطية بل يتم تحت ضغط سياسي وجماهيري تقوده ذات القوى السياسية والمجتمعية صاحبة المصلحة والرغبة في التغيير.

 ولا يمكن لهذا الضغط أن يحقق نتائج ملموسة ما لم يتم من خلال أحزاب سياسية جماهيرية قادرة على تعبئة الجماهير خلف شعاراتها ومطالبها وبرامجها السياسية، بوضوح وانغراس وإصرار.
من أجل ذلك فالتنظيم الحزبي نفسه لا ينشأ تلقائياً؛ لكنه يبنى وينضج تدريجياً من خلال النشاط السياسي والتجذر الجماهيري لقياداته ومن خلال الحاجة إليه حكما وقطعا، وكلما امتد الحزب السياسي إلى مواقع تنظيمية جديدة وفضاءات مجتمعية بكر، إلا وقويت قدرته الجماهيرية وجاهزيته النضالية ومراسه في التدبير ورفع التحديات.

وما لم تتدارك الأحزاب السياسية – وهن الحديث عن قوى المعارضة المجازية وبعض من التنظيمات المجهرية – نقاط ضعفها الحقيقية والتي تسبب لها تجريفا عميقا مجتمعيا في تموقعها السياسي، وعلى رأسها غياب التنظيم الحزبي الحي المتغلغل في صفوف الناس والقائد لحركة الجماهير والقوات الشعبية ، فإنها ستظل عاجزة عن الضغط من أجل استكمال عملية التحول الديمقراطي العميق والحقيقي، بما في ذلك جملة من أهداف بعض الطيف السياسي المعزولة والمحدودة الأفق، من إرادة إعادة صياغة تعاقد سياسي بديل  يحقق الهدف الأساسي للحراك الإصلاحي الشعبي المتداعي مغربيا، وهو إسقاط النظام الاستبدادي وإقامة نظام ديمقراطي بديلا عنه حتى وهي – القوى السياسية رافعة هذا المطلب – تعاني من محدودية في الحضور وانحسار في التطلع ، وتعاني أعطاب وأعراض النمو ، بل وهي تختنق من جراء الأزمة السياسية والتنظيمية، وتستعيض عن ذلك بعملية استبدال سيكولوجية وسياسية لعجزها الديمقراطي الفادح وضعفها المجتمعي البئيس .

من هنا، فإن الأحزاب السياسية – مهما كانت – لكي تحقق هذا الشرط، فإنها مطالبة بإعادة النظر في توجهاتها السياسية والجماهيرية وصياغة استراتيجية جديدة لنضالها السياسي تمكنها من تقوية دوريها السياسي والجماهيري، والتأمل الهادئ في مسارها ومصيرها، لأنها قد تهدد بالانقراض والتخفي والاندثار.
*عضو الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.