التهامي بهطاط: لا يمكن لوم حزب التجمع على تمدده في الفراغ

لو تتبع المرء أخبار حزب التجمع الوطني للأحرار خلال الايام القليلة الماضية، لخلص إلى طرح سؤال لا مناص من طرحه، ألا وهو : أين الدولة؟
و”الدولة” هنا أستعملها -كالعادة- بمفهومها في قاموس رجل الشارع المغربي، بحيث تترادف مع “الدولة العميقة” و”المخزن”، اي تلك القوة “الهلامية” التي يفترض أن تتحرك في الوقت المناسب لإعادة الامور إلى “نصابها”.
لا يمكن لوم حزب التجمع على تمدده في الفراغ، بل لابد من مساءلة “عقل الدولة” عن مآلات هذا التمدد غير المنضبط، وكلفته العالية جدا.
فما فعله هذا الحزب مثلا في تجمعه بمدينة الداخلة تجاوز أتفه أفلام الكوميديا “التجارية”، رغم أن ارتداء “الدراعة” بذلك الشكل، وبعد النزول من “الكيران”، كاف وحده لقرع أجراس همنغواي وخزان كنفاني معا..
وما جاء في خطبة كاتب الدولة المكلف بالصناعة التقليدية يومها، كاف وحده للتأكيد بأن المغرب وصل إلى مرحلة يمكن معها لرئيس الحكومة أن يخرج إلى الشارع و”يعزل” من يعجبه من “أيها الناس” ليسند له حقيبة وزارية..
ولا شك أن الراحل عبد الله غرنيط سعيد في قبره لأنه مات قبل أن يرمى قطاع استراتيجي بحمولة تراثية وتاريخية وحضارية عريقة، في حضن “شاعر الرئيس”…
وأما الإشراقة التي أصابت كاتبة الدولة في الصيد البحري فأعلنت انخراطها في مشروع “الدولة الاجتماعية”، فلا يخرج عن السنة “غير الحميدة” التي سنها عزيز التجمع، الذي يوقع صباحا على طلب عروض دولي، ويوقع في منتصف النهار على تقديم عرض ضمن هذه العروض المنافسة، وفي المساء يحتفل بفوز عرضه على كل العروض.. وفي منتصف يوقع بالمصادقة على تفويت الصفقة “العمومية”…
وما أهمية دعم أحد “مناضلي” الحزب بمليار أصلا؟ وما قيمة هذا المليار في مواجهة 1300 مليار التي فاز بها “الفراقشية”، بل حتى في مواجهة الملايير التي ينفقها بعض “المناضلين” خلال مواسم شراء “القطيع” الانتخابي.. والعهدة في هذا طبعا على الحاقدين؟
أما ما فعلته السيدة نزهة المنشودي المستشارة الجماعية ببلدية أكادير، فإنها تستحق عليه الشكر، لأنها قالت بعفوية وصراحة وعلانية ما يقال في الكواليس، وهو ان البلد صار ملكا مشاعا لـ “الطبقة الجديدة” التي أصبحت مطلقة اليد في مقدرات الدولة برا وبحرا وجوا، وصحراء ليبيا كما اتسعت لحثالة أمريكا يمكن أن تتسع لفقراء المغرب.
وأما قصة شيك الأربعة ملايين الذي أعاد جماعة أولاد الطيب الشهيرة أصلا، إلى الأضواء مجددا.. فأتفه من أن يتوقف الناس عنده.. وبالمناسبة أين وصلت فضيحة الأربعين مليونا التي تفجرت مباشرة بعد انتخاب مجلس بلدية مكناس، ألم يطوها النسيان؟
وحتى يكون ختامه “زفتا”، كيف يمكن التعليق على ما تعرض له منتخب بعاصمة الأمبراطورية الشريفة -يا حسرة- بسبب خوضه في موضوع “التهجير القسري” لساكنة السانية الغربية، وبطريقة أشبه بـ “التجربة المصرية” في مجال “التأهيل الحضري”…
بعيدا عن التساؤل لماذا لم تلجأ “الدولة” إلى مسطرة نزع الملكية؟ ولماذا لم تفتح المجال مباشرة بين “البايع والشاري”، بدل الحالة غير المسبوقة التي نشاهدها الآن، والتي يفترض أن تجتمع كل هيئات الحكامة المنصوص عليها في الدستور لتحاول مجرد فهم هذا الوضع السوريالي؟
بعيدا عن هذا، أتوقع أن تؤول “الأراضي المحررة” إلى “الطبقة الجديدة” لا إلى شركات خليجية كما يروج على نطاق واسع حاليا، بل لا أستبعد أن يتم تجريف مقبرة الشهداء التي تحتل موقعا استراتيجيا مطلا على البحر.. فالأحياء أولى من الأموات بهذه الإطلالة الساحرة..
هذا مجرد غيض من فيوضات حزب أصبح يتصرف بحرية مطلقة، دون أن يتم تنبيهه إلى أن هذه “العربدة” لن تنتهي إلى خير..
لا يتعلق الأمر بقراءة فنجان، ولكن بقراءة التاريخ القريب منه والبعيد..
اليوم هناك احتقان شديد تجد ريحه حيثما وليت وجهك، وفي كل الأوساط، خاصة بعدما نجحت “الدولة” في القضاء على السياسة، والأحزاب والنقابات وفي تجريم حرية الرأي والتعبير، وفي إقفال كل قنوات تصريف الغضب الشعبي.
تاريخيا عرف المغرب انتفاضات شعبية في كل عشرية تقريبا منذ الاستقلال (الريف 58/59، انتفاضة 65، أحداث مولاي بوعزة 73، أحداث الدار البيضاء 81/84، فاس 1990، 20 فبراير 2011، حراك الريف 2016)..
وهذه الانتفاضات كلها تقريبا كان محركها الرئيسي هو الخبز والكرامة، وقد تطلب إخماد بعضها اللجوء إلى القوة المفرطة جدا، أو إلى محاكمات سودت صفحات من التاريخ الحقوقي للمغرب، حاولت جماعة الإنصاف والمصالحة تبييضها لكن دون جدوى.
السؤال الذي أختم به هذه التدوينة، ارتباطا بما سبق دائما:
بما أن احتمال الانتفاضة الشعبية وارد جدا، ولأهون سبب، أو من دون سبب أصلا، لأن تحرك اي شعب مثل الزلزال والبركان، يمكن متابعة مؤشراته، لكن يستحيل وقت حدوثه، كيف سيواجه رئيس الحكومة ووزراؤه و”مناضلو” حزبه سيناريو من هذا القبيل؟
كيف سيخاطب هو والنماذج المشار إليها أعلاه الجماهير الغاضبة؟ هل سيتهم الحكومات السابقة التي كان شريكا في رئاستها عمليا بالتقصير؟ أم هل سيتهم “أعداء النجاح” الذين لم يروا الإنجازات التي حققها مجموعو “أكوا” -عفوا- حكومة الكفاءات والدولة الاجتماعية؟ أم سيختبئ ويترك أمر المواجهة في الشارع لقوات الأمن، ولم لا للجيش إذا تطور الأمر إلى ما يشبه انتفاضة “شهداء كوميرة” أو أحداث فاس؟
هذا السؤال ليس مطروحا على السيد رئيس الحكومة ولا كاتبه السعدي ولا كاتبته الدريوش ولا نائبته في بلدية أكادير .. بل مطروح حصرا وتحديدا على “الدولة” لأنه في مثل هذه الحالة -لا قدر الله- هي التي ستجد نفسها مضطرة لسماع -وربما أداء- أغنية بيار بيري.. “Vaisselle cassée “.. أما السيد رئيس الحكومة، فهو لا يرى سوى المغرب الذي يصوره له الإعلاميون الذين يشتغلون عنده..
وهل نكذب لالة فاطمة خير ونصدق الرعاع والفقراء؟ !!!

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.