هذا النص نحت قسماته الصحفي المغربي بقناة الجزيرة، محمد البقالي الذي انتقل لطهران لتغطية أجواء ما بعد الحرب، فتعقب بريشته شبح الحرب الذي لم يغادر كلية أجواء طهران منذرا بعودة محتملة، لكنها لن تستطيع اقتلاع الفرح بالنصر في هذه الجولة وهو يعبر الوجوه والشوارع، فلننصت للريشة ترسم تفاصيل هذا الفرح المشروع:
” تعود الحياة إلى طبيعتها في طهران!
لكن الجميع يدرك أن شبح الحرب لم يختفِ نهائيا!
قد يعود في كل لحظة.
فما حدث هو نهاية جولة، لا نهاية المعركة.
لا يمنع ذلك إيران من الاحتفال بما تصفه بالنصر الكبير.
يسمع ذلك في تصريحات المسؤولين، ويقرأ في اللافتات والشعارات التي تملأ الشوارع.
ورواية الحرب لا تكتمل عادة دون أيقونات!
سهاري إمامي واحدة من هذه الأيقونات في إيران.
مذيعة التلفزيون الرسمي التي قُصف مبنى الإذاعة والتلفزيون وهي تقدّم برنامجها، فما كان منها إلا أن رفعت السبابة بالشهادة وواصلت.
وعندما وصل الغبار الممتزج بالزجاج المكسور إلى الاستوديو، غادرت مسرعة لتعود بعد قليل لإتمام ما بدأت.
صورها ترفع على امتداد الشوارع الكبرى في طهران،
جنبًا إلى جنب شعارات كتبت بالفارسية والعبرية تحتفي بالانتصار وتحذر العدو من أن النهاية باتت قريبة.
وبين هذا وذاك، لافتات تمجد شعراء ومفكري و شهداء الثورة!
لعلها بذلك تستعيد بعضا من أفكار علي شريعتي:
فمجتمع يعيش من دون شهيد… هو مجتمع خال من الروح! تقول المدينة!
في قلب العاصمة، ينتصب تمثال الشاعر قيصر أمين بور، شاعر الحرب والحياة، هو الذي طالما دفع بأن الحرب ليست فقط صراعا بين البنادق، بل أيضا بين الذاكرة والنسيان.
وطهران مدينة تقاوم النسيان!
ففيها تتقاطع العقيدة والثقافة والتاريخ!
في ساحة فردوسي، الشاعر الإيراني الكبير، ترى من بعيد جدارية ضخمة تُجسد رُستم، البطل الأسطوري في ملحمة الشاهنامه، في معركته الأولى ضد أفرسياب.
على طرف الجدارية، كُتبت أبيات من “الشاهنامه” تقول:
“إذا ما نامت الأمة عن الدفاع… فليقظها أبطالها مثل رُستم!”
هكذا، تُعيد العاصمة الإيرانية إنتاج رموزها…
من رُستم إلى شهداء الحرب، ومن سهاري إمامي إلى أمينبور، ومن عاشوراء إلى صور صواريخ “فتاح” ومسيرات “شاهد”!
كلها تتجاور.. على جدر طهران ولا فتاتها!
——-
رغم إغراء الصورة، لا يُستحسن أن تُرفع الكاميرا كثيرا في شوارع طهران هذه الأيام.
فهذا زمن الحرب…
وللحرب أحكامها!
