وصف الصحفي والكاتب توفيق بوعشرين، مشروع القانون الجديد المتعلق بإعادة هيكلة المجلس الوطني للصحافة بـ”غير الدستوري”، مؤكداً أنه يضرب في العمق مبادئ المساواة والديمقراطية والتنظيم الذاتي المستقل التي نص عليها الدستور المغربي. واعتبر أن الطعن في هذا المشروع أمام المحكمة الدستورية كفيل بإسقاطه “لا محالة”.
وفي تدوينة نشرها على صفحته الرسمية بموقع “فيسبوك”، أورد بوعشرين جملة من المؤاخذات الدستورية والقانونية على المشروع، واصفاً إياه بـ”القانون المفصَّل على المقاس”، والذي يقوّض جوهر فلسفة المجلس الوطني للصحافة باعتباره هيئة مستقلة.
وأوضح بخصوص أولى المؤاخذات كون مشروع القانون يضرب مبدأ المساواة بين المواطنين أمام القانون، حيث جعل اختيار الأعضاء السبعة الذين سيمثلون الصحافيين بالانتخابات المباشرة، وجعل تمثيل الناشرين بالتعيين من قبل الهيئة التي يمثلونها دون انتخابات، وهذا مس خطير وجلي بمبدأ مساواة المواطنين أمام القانون بحسبه.
وأبرز الصحفي أن المشروع الجديد يضرب مبدأ دستوريا آخر وهو التنظيم الذاتي المستقل الديمقراطي للمجلس، حيث ينص الفصل 28 من الدستور على أن” حرية الصحافة مضمونة، ولا يمكن تقييدها بأي شكل من أشكال الرقابة القبلية.. تشجع السلطات العمومية على تنظيم قطاع الصحافة..”، وقال إن مشروع هذا القانون ميّز بين هيئتين داخله، واحدة ستُنتخب، والثانية ستُعيَّن، وهذا بحسبه مس بالشرط الديمقراطي لتشكيل المجلس، فالانتخابات هي جوهر الطابع الديمقراطي لأي مؤسسة.
ومن المؤاخذات التي أجملها بوعشرين في تدوينته، كون مشروع القانون الجديد يضرب في الصميم مبدأ “One man, one vote” “رجل واحد، صوت واحد”، وهو مبدأ قانوني وديمقراطي يُقصد به المساواة السياسية بين الجميع، أي أن لكل مواطن صوتًا واحدًا في الانتخابات، بغضّ النظر عن العرق، الطبقة الاجتماعية، الثروة، الخلفية التعليمية أو القرب أو البعد من مصدر القرار، وأوضح أن مشروع القانون الجديد جعل من مؤسسات النشر الورقي والإلكتروني إقطاعيات كبرى، حيث منح “للكبيرة” عشرين حصة في التمثيل، ولـ”الصغيرة” حصة واحدة فقط، وكل هذا بناء على معيار رقم المعاملات التجارية.
وتابع بوعشرين” فإذا كنت رئيس مقاولة “مرفحة”، مرضي عنها من قبل شركات الإعلانات ومن قبل السلطات، فأنت تملك حظوظًا تفوق عشرين مرة حظوظ رئيس مقاولة صغيرة أو متوسطة، ولو كانت مهنية ومستقلة، للوصول إلى عضوية المجلس الوطني للصحافة…ومن ثم تتحكم في رقاب زملائك، وتُمرّر أجندة جهات معادية لحرية الصحافة، مقابل تعويض عن المهمة سيكون مجزيًا ولا شك…”.
واعتبر بوعشرين، أن مشروع القانون خرق أيضًا خاصية معروفة من خصائص القاعدة القانونية، يعرفها كل طالب في السنة الأولى من كلية الحقوق، وهي أن “القاعدة القانونية تكون عامة ومجردة وملزمة”، مثل الميزان الذي لا يميز بين البضائع التي توضع فيه، بل يعطي الوزن بدقة وحياد.
وهذا المبدأ يضيف بوعشرين، يعني أيضًا أن المشرّع لا يفصل القوانين على مقاس جهة دون أخرى، وهو ما تجاهلته وزارة الاتصال، وسايرتها الحكومة وأمينها العام، “الخبير” في القوانين ومطابقتها للدستور، حيث فصلوا قانونًا على مقاس جمعية ضد فدرالية، في إطار بدعة جديدة عنوانها التمييز بين الصحافيين: “هذا مرضي عنه، مدعو إلى الحفلة والزردة، وذاك مغضوب عليه، محروم من الدعوة إلى العرس”.
وأبرز أن الفدرالية المغربية لناشري الصحف هي الأكثر تمثيلية، لكنها مستهدفة، في حين أن الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين هي الأغنى، والأكثر حظوة لدى السلطة.
وتابع ” وُلدت هذه الجمعية أصلًا من الحاجة إلى “إعلام ما بعد الحقيقة”، إعلام وظيفي مكلف بمهمة خاصة، وهي تكفين ما تبقى من صحافة، ودفنها في مقبرة جماعية بلا جنازة وتشكيل حائط صد في مواجهة الصحافة الحقيقية الحرة والمستقلة “.
وخلص الصحفي والكاتب إلى أن مشروع القانون المذكور جاء لضرب روح المجلس الوطني للصحافة، وشرعيته ومصداقيته، وتهيئته ليلعب دورًا مناقضًا للأهداف المعلنة له..” واسترسل “لقد أضافوا لسلطته الزجرية سلطة التوقيف المؤقت لصدور الصحف والمجلات الورقية والإلكترونية، وهذا اختصاص حصري للقضاء، لا تتمتع به حتى الحكومة نفسها، ولا يوجد أي مجلس تنظيم ذاتي للصحافة في العالم يملك هذه السلطات الزجرية كلها!”.
وأضاف “نحن أمام مخطط مدروس لإشعال الحروب الأهلية داخل قبيلة الصحافيين، ولتفويت مهمة قمع ما تبقى من الصحافة المهنية، على قلتها، إلى مجلس يحمل زورًا صفة “الوطني” وصفة “الصحافي”.
وأكد أن هذه الحكومة تسارع الزمن السياسي للإفراج عن كل نص قانوني منزوع الدسم الإصلاحي، في آخر شهور عمرها السياسي، “كأنها تسلط علينا عقابًا جماعيًا، لا لشيء سوى لأننا حلمنا قبل 14 عامًا بربيع موعود بزهور تحول ديمقراطي..”.
