الشباب المغربي: بين النموذج الزائف و الالتزام الجاد والمسؤول

هند البكي


يتم الترويج مؤخرا لنماذج شبابية تقدم كقصص نجاح “success stories”و يدفع بها إلى الواجهة كتجارب ملهمة. غير أنّ قراءة نقدية متأنية لهذه النماذج تكشف عن خطورتها العميقة، ليس فقط في تشويه مفهوم النجاح، بل في تهديد القيم المجتمعية والوطنية.
النموذج الأول يتمثل في فئة من المؤثرين وفناني الفن الهابط، الذين يحققون شهرتهم من خلال محتوى سطحي، يفتقر لأي قيمة فكرية أو مجتمعية. الأخطر من ذلك أن بعض هؤلاء يروجون، بشكل مباشر، لسلوكيات منحرفة مثل تعاطي المخدرات، واستعمال لغة ساقطة تُفسد الذوق العام وتُضعف منظومة القيم. هؤلاء يُقدَّمون على أنهم نماذج للحرية والنجاح، بينما هم في الحقيقة يكرّسون عزوف الشباب عن النقاش العمومي، ويُغرقونهم في وهم الشهرة الزائفة، بعيدًا عن الانشغال عن قضاياهم الحقيقية.
أما النموذج الثاني، فهو أيضا خطير على المستوى الاستراتيجي، ويتمثل في فئة من الشباب المنتمين لبعض الاحزاب السياسية بل و يتواجدون في البرلمان ومنهم في الحكومة، والذين حوّلوا هذه المؤسسات إلى فضاء للدفاع عن تضارب المصالح، والترويج لسياسات ليبرالية متوحشة، بدل الدفاع عن قضايا المجتمع والطبقات التي ينحدرون منها. هؤلاء الشباب، الذين كان يُفترض فيهم أن يكونوا صوتًا لقضايا التشغيل، والتعليم، والصحة، أسسوا في النهاية ” لمسخ سياسي” فاقد للروح والقيم، قائم على التبرير والتصفيق، بدل المبادرة والترافع الحقيقي. لقد أفرغوا العمل السياسي من مضمونه، وحوّلوه إلى واجهة لتزيين قرارات لا تخدم بالضرورة المصلحة العامة، مما عمّق فقدان الثقة في الأحزاب والمؤسسات.
وأمام هذين النموذجين، تبرز الحاجة إلى نموذج ثالث، شباب وطني، جاد، مستقل، يرفض الانسياق خلف الشهرة الزائفة أو المصالح الضيقة، ويؤمن أن النجاح الحقيقي يُقاس بالقدرة على تحسين حياة الآخرين، والدفاع عن القيم المشتركة، والمساهمة الفعلية في بناء وطن أكثر عدلًا وتماسكًا. شباب يختار العمل الجاد، ويؤمن بأن الفعل الإيجابي هو السبيل للمساهمة في الاصلاح، بدل الاكتفاء بدور المتفرج أو المستهلك السلبي.
الرهان اليوم على الانخراط المكثف للشباب في الأحزاب الوطنية الجادة،ليكونوا شركاء في إعادة بناء الثقة، وتجديد الفعل السياسي، وصياغة مغرب المستقبل بقيم النزاهة، والعدل والمعقول. إن الوطن اليوم في أمسّ الحاجة إلى جيل من الشباب الواعي المتشبت بتوابته الوطنية، القادر على التمييز بين النماذج المصطنعة والمسارات الجادة، شباب يحملون مشروع وطني حقيقي أصيل، يضع خدمة الوطن والإنسان فوق كل اعتبار.

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.