لهوايشري يكتب: مشاهدات على هامش زيارة مدينة شنغهاي

عبد الكريم لهوايشري، مستشار جماعي بمجلس مدينة الدار البيضاء حاليا، ورئيس مجلس مقاطعة سيدي البرنوصي سابقا، وبرلماني سابق.

 

أتيحت لي فرصة زيارة مدينة شنغهاي ضمن وفد يمثل مدينة الدار البيضاء، بدعوة كريمة من عمدتها، للمشاركة في أشغال منتدى شنغهاي للتعاون بين مدن الصداقة – دورة 2025.
وللإشارة، فإن جماعة الدار البيضاء تتمتع بعضوية هذا المنتدى منذ القرن الماضي، عقب توقيع اتفاقية التوأمة مع مدينة شنغهاي سنة 1986.
وقد شكل المنتدى مناسبة لتبادل التجارب في مجالات البيئة، والمساحات الخضراء، ومحاربة التلوث، والعناية بالشباب وإدماجه في التنمية الحضرية من أجل مستقبل أفضل. وقد عرضت مدينة الدار البيضاء تجربتها في هذا المجال من خلال ما تضمنه برنامج عمل الجماعة (2023–2027)، وخصوصًا ما تعلق منه بمحور الشباب والتنمية الحضرية.
كما كانت الدورة فرصة لاستكمال مراسيم التوقيع الرسمي على مذكرة التفاهم بخصوص “المعرض الدولي للفنون الجميلة التقليدية الصينية – محطة الدار البيضاء”، بين متحف شنغهاي للمجموعات الفنية وجماعة الدار البيضاء، المقرر تنظيمه في شتنبر 2025.
وإذا كان هذا المنتدى قد انعقد لأجل تبادل التجارب حول مواضيعه الرسمية، فإنه لم يخلُ من مشاهدات هامشية، لكنها تحمل الكثير من المعاني والدروس.
وقد اخترت أن أشارك بعضها، لعلها تسهم في تعميم الفائدة، وفي نقل التجارب الناجحة والممارسات الفضلى التي يمكن أن تلهمنا في تطوير مدننا ومؤسساتنا:

المشاهدة الأولى: حسن الاستقبال من الوصول إلى المغادرة

حظي الوفد البيضاوي، كغيره من الوفود، باستقبال لائق منذ لحظة الوصول إلى مطار شنغهاي، من طرف موظف تابع لإدارة المدينة، يطغى عليه الأدب والتواضع والتفاني في الخدمة.
رافقتنا بعد ذلك موظفة جماعية خلال كامل أيام المنتدى، بتفانٍ ونشاط وانضباط نادر، إذ لم تكن مجرد مرافِقة تنظيمية، بل مثالاً في المسؤولية والحرص على صورة بلادها. كانت تؤدي عملها وكأنه عبادة، والإتقان عندها هو القاعدة لا الاستثناء.

المشاهدة الثانية: احترام الوقت

هذا أكثر ما لفت الانتباه. الالتزام بالوقت في شنغهاي يكاد يكون طقسًا يوميًا. المسؤولون الكبار والصغار يحضرون في الموعد بالدقيقة، ويشاركون بكامل الجلسات دون مغادرة مبكرة ولا تأخير.
المداخلات مضبوطة بخمس دقائق، وهو وقت كافٍ عندهم لإيصال الفكرة دون حشو أو استطراد. بينما عند غيرهم لا تكفي الضعف بسبب الإطناب والخروج عن الموضوع.
لقد فهم الصينيون أن الوقت قيمة مركزية في التنمية، وأحسنوا التعامل معه.

المشاهدة الثالثة: التفاني في العمل

الموظفون، سواء داخل المنتدى أو في الفنادق والمرافق، يشتغلون بأدب وأريحية واحتراف.
لا تبرم، لا تذمر، لا تلكؤ. الابتسامة لا تفارقهم، والجودة حاضرة في كل التفاصيل.
إنه التفاني الذي كنّا أولى به في مدننا، لولا غياب ثقافة المسؤولية في بعض المؤسسات.

المشاهدة الرابعة: النظافة من الصين

نظافة المدينة لا تُخطئها العين. لا نفايات في الشوارع، ولا روائح، ولا مشاهد مزعجة. ليست مجرد خدمة، بل سلوك جماعي وثقافة مدينية.
في المقابل، رغم محاولات مدينة الدار البيضاء تحديث دفتر التحملات وإطلاق صفقات جديدة، عادت في السنوات الأخيرة بعض المظاهر المؤسفة للنفايات والمزاحمة في الشوارع، وجمع النفايات نهارا في خلاف صارخ لدفتر التحملات، والروائح المنفرة، رغم وجود آليات الرقابة والمتابعة.
نعم، “النظافة من الإيمان”، لكن الصين آمنت بها ونجحت، ونحن ما زلنا نرددها على شاحناتنا بلا أثر ملموس.

المشاهدة الخامسة: في العمران

العمران في شنغهاي تحفة حضارية: أبراج شاهقة، تصميمات متناسقة، واجهات نظيفة، وأسقف مرتبة. المدينة تبدو كحديقة معمارية تمتد على عشرات الكيلومترات، كل بناية تنطق بجمالها الخاص، من الأرض وحتى السماء.
ومن على قمة ثاني أعلى برج في العالم (632 مترًا)، تتجلى المدينة كلوحة متكاملة، بلا عشوائيات، بلا براريك فوق السطوح، بلا فوضى عمرانية. بل إن شنغهاي تتجه لتحويل أسطح بناياتها إلى حدائق حضرية في أفق 2035.
والمختصر المفيد في وصف عمران هذه البلاد، أنه عمران عظيم عِظم الصين، يحدثك سرا وعلنا، بأنك على أرض هي امتداد تاريخي لسور الصين العظيم.

المشاهدة السادسة: المنشآت الفنية

اسم على مسمى: منشآت فنية، هنا وهناك، فوق الأرض وتحتها، فوق وتحت وادي هوانغبو، الأكبر في الصين، والذي يتوسط مدينة شنغهاي.
هي جسور وأنفاق وممرات بأشكال هندسية مبهرة، تيسر حركة المركبات والحافلات والدراجات من كل صنف، وكأن المدينة تنبض بالحركة دون أن تزعج أحدًا.
اللافت أنك لا تكاد تسمع منبهًا أو زمورًا، على عكس ما تعودنا عليه في مدننا من تلوث سمعي مزعج.
تعددُ المستويات في موقع واحد – ست منشآت فنية طباقًا – يعطي للمدينة عمقًا بصريًا مذهلًا، يجعلك تعانق عماراتها الشاهقة من فوق جسور ترتفع أحيانًا إلى ما فوق الطابق الرابع.
وتبلغك رسائل صامتة بأنك في بلد احترم نفسه، وأتقن صناعته، وخلّد بصمته.
بعض هذه المنشآت تمتد على عشرات الكيلومترات، وتُمكّن من التنقل داخل المدينة بسرعة تتجاوز 100 كلم في الساعة.
أما المستقبل، فلا يعرف التوقف: يجري حاليًا الإعداد لنقل ميناء شنغهاي، المصنف الأول عالميًا، إلى عمق داخل البحر يزيد عن 20 كيلومترًا ثم ربطه باليابسة بمنشآت فنية بحرية متنوعة في أفق سنة 2035.

المشاهدة السابعة: المساحات الخضراء

لا يُكثر الصينيون من الشعارات، ولكنهم يُكثرون من العمل.
فلا تسمع عندهم عن “مدينة الورود”، ولكنك تراها في كل زاوية وممر وحديقة وشرفة.
الورود لا تُقطف، ولا تُنهب، حتى وإن كانت مزروعة في آنية جميلة، كأنّ الكل متفق على احترام جمالها.
في شنغهاي، تبدو المساحات الخضراء وكأنها مَعارض فنية مفتوحة: ورد يُشكَّل على شكل تنين، أو زهرة لوتس، أو مجسم ثلاثي الأبعاد على أطراف الشوارع، والمدارات، والساحات، وأسطح البنايات.
بل إنهم يتجهون لتحويل كل أسطح المدينة إلى حدائق معلقة، ضمن رؤية تجعل شنغهاي مدينة خضراء ذات ازدهار اقتصادي وحضارة اجتماعية بحلول 2035.

المشاهدة الثامنة: الحفاظ على الماء

الصين – رغم وفرة تساقطاتها واحتلالها المركز السادس عالميًا – تدرك تمامًا قيمة الماء.
وقد تُدهشك لافتة بسيطة داخل نزل مكتوب عليها “حافظوا على الماء”، وأنت على مرمى البصر من أكبر وديان الصين!
لكن التوجيه لا يكفي؛ بل لاحظنا أنهم عدّلوا اتجاه فتح الصنابير ليكون مخالفًا للمألوف، فتفكّر قبل أن تفتح، وتتريث قبل أن تهدر.
هي رسالة سلوكية ذكية تختزل فلسفة الصين: “علموا فعملوا”، فكان وعي بيئي ملموس لا يقف عند الشعارات.

المشاهدة التاسعة: التكفل بالمريض

في الصين، المريض لا يتيه في متاهات التعاضديات ولا برامج الدعم ولا صناديق التأمين المتعددة الأسماء.
المواطن يؤدي فقط 5% من تكاليف العلاج، والباقي تتكفل به الدولة أو الجهة المؤمنة، دون حاجة للركض بين الإدارات.
زرنا مستشفيين:
الأول من الدرجة الثالثة، يُقابل عندنا ما يُعرف بالمركز الاستشفائي الجامعي CHU، لكن الفرق كبير! تجهيز متطور، ذكاء اصطناعي في العمليات الجراحية، متابعة رقمية لحالة المريض عبر شاشات آمنة، نظافة صارمة، وانضباط تام.
أما الثاني، فهو مستوصف، لكن في شكله ومضمونه أشبه بمصحة راقية، يدمج بين الطب الغربي والصيني التقليدي، ويقدم خدمات تفوق ما توفره بعض مستشفياتنا الإقليمية.
نعم، في الصين “الصحة للجميع” ليست شعارًا، بل ممارسة يومية تُصان فيها كرامة الإنسان.
كلمة أخيرة
هذه المشاهدات ليست مجرد انبهار بزخرف العمران أو انضباط الموظفين، بل هي دعوة مفتوحة للتأمل في عمق النموذج التنموي الذي يمكن أن نستلهم منه ما ينفعنا.
ولا شك أن دور الفاعل السياسي، سواء كان في موقع المسؤولية أو المعارضة، هو أن ينقل هذه المشاهد إلى فضاءات النقاش، والرقابة، واقتراح الحلول، دفاعًا عن مدننا وكرامة مواطنينا.
فليست شنغهاي مدينة خيالية، ولكنها نموذج واقعي لإرادة جماعية جعلت من العمل قيمة، ومن التنظيم ثقافة، ومن التغيير مشروعًا يوميًا.
فهل نملك نحن الجرأة على الشروع؟

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.