في الحاجة إلى تفكيك بُنى الفساد وتجمعات المصالح

بقلم: رضا بوكمازي


في سياق سياسي دولي وداخلي برزت رغبة جامحة في مواجهة العدالة والتنمية وإيقاف مسارها وصعودها الانتخابي وكانت استحقاقات 2021 لحظة فارقة في هذا المسار، وهي السنة التي تشكلت فيها حالة من الاستعداد للقيام بكل ما يمكن القيام به من أجل تحقيق تلك الرغبة دون التفكير في العواقب أو الأثار الجانبية التي يمكن أن يخلفها تحقيق هذا الهدف .

وإذا كان الانزياح عن الاختيار الديمقراطي والمس بقواعده ومبادئه الأساسية والاستثمار في تشويه صورة فاعل سياسي أساسي في البنية السياسية عنوان بارز لهذه الحالة، فإن من بين الأليات التي اعتمدت كذلك جلب عدد من الفاعلين الاقتصاديين وتمكينهم من مراكز القرار والنفوذ السياسي وجعلهم في مقدمة مواقع القرار العمومي من جهة ومن جهة ثانية تمكين عدد من الأشخاص من مواقع التدبير الترابي دون أدنى حد للمعرفة والخبرة بمجال الشأن العام.

هذه الوضعية المختلة أنتجت لنا فئتين من مدبري الشأن العام على المستوى الوطني والترابي فئة لها عدد من المصالح الاقتصادية جعلت من موقع المسؤولية الانتدابية خادما لتلك المصالح وفي مقدمة هذه الفئة نجد رئيس الحكومة عزيز أخنوش ومن يدور في فلكه وهو يعبر عن ذلك بشكل صريح ومباشر وفي مرات متعددة من منصة البرلمان الذي يفترض فيها أن تكون فضاءا للتقييم والمساءلة والمحاسبة السياسية، وفئة ثانية اعتبرت أن فرصة تحمل المسؤلية العمومية خاصة على المستوى الترابي فرصة لا تعوض من أجل مراكمة الثروات والإثراء غير المشروع خاصة في ظل الحصانة والحماية الاستثنائية التي تسعى حكومة عزيز أخنوش أن تقدمها لها.

غير أن الاعتماد على هاتين الفئتين انتج لنا حالة من عدم التكامل بين الخارطة الانتخابية وحقيقة التعبيرات المتواجدة بالمجتمع ، بل على العكس من ذلك ازدادت حالة عدم الثقة في المؤسسات وبرز نوع جديد من الانسحاب أفضى للبحث عن آليات أخرى للتعبير عن الرأي وباتت الفضاءات التي يفترض فيها أن تُحول المطالب الخام إلى مطالب قابلة للتحقق والمعالجة وفق أجندات الدولة وإمكاناتها، فضاءات لتحقيق فقط جزء من رغبات ومصالح الفئات المتحكمة، بل أصبحت معيقا لكل فعل رقابي أو سياسي يمكن أن يكسر هذه الهوة المتزايدة بين المجتمع ومؤسساته المنتخبة أساسا.

واليوم لا ينحصر هذا الخطر في حالة الانسحاب وعدم الثقة في المؤسسات بل يتجاوزه إلى كون الفئتين التي أنتجتهما من جديد انتخابات الثامن من شتنبر 2021 ، ستعمل جاهدة على الاستمرار في مواقع القرار العمومي لأن تلك المواقع شكلت فرصة اغتناء واستفادة غير مسبوقة، وستكون هذه الفئات على أتم الاستعداد لتخصيص جزء كبير من الأموال التي تم جمعها خلال هذه المرحلة من أجل المحافظة على مواقع المسؤلية بمنطق التاجر الذي يخصص جزء من رأسماله ليجني ارباحا جديدة (جزء من هذا السعي انطلق ابتداءا عبر إمكانات الدولة ومؤسساتها).

إن خطر بُنى الفساد وتجمعات المصالح التي تمكنت في سياق سياسي معروف من القرار العمومي وجعلته خادما لها ولمصالحها الخاصة، -هذا الخطر- لا يهدد فقط الأحزاب السياسية الجادة وقدرتها على التأطير وممارسة السلطة بشكل عادي، بل يهدد الوطن برمته، لأن التاجر في السياسة لا يهتم للمصالح المشتركة بقدر ما يهتم لمصالحه الخاصة، ولا يكثرت لمنسوب الثقة ولا لغيرها من القواعد الأساسية في ممارسة السلطة، بل همه الوحيد هو الاغتناء والافتراس واغتنام الفرصة.

لهذا فنحن اليوم في حاجة ماسة إلى تفكيك بُنى الفساد وتجمعات المصالح والتصدي لها، وإيقاظ شعلة الأمل من جديد في نفوس الناس على أن المؤسسات السياسية قادرة على أن تضطلع بأدوارها وتكون في مقدمة التعبير عن الاحتياجات والمتطلبات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

وإذا كان هذا الدور مقترن بوجود الإرادة السياسية للدولة في الحد من خطر تغول رجل المال وتحكمه في القرار السياسي ، فإن جزء معتبر من هذا الدور مقترن بحالة الوعي الجماعي الذي يجب أن يتشكل لدى فئات واسعة بأهمية المشاركة السياسة والانخراط الكبير في العملية السياسية والتأثير في مخرجاتها، إن مدخل هذا التفكيك مقترن بالمشاركة السياسية الواعية وبالانخراط الإيجابي في الفعل العمومي، لان الانسحاب لا ينتج فعلا بقدر ما ييسر مؤمورية مفترسي السياسة وفي مقدمتهم فراقشية كل أشكال الدعم العمومي.

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.