عبد النبي اعنيكر
في خضمّ الأزمة التي تعيشها البلاد اجتماعياً واقتصادياً، خرج الحسن السعدي، عضو المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار، ليتهم المعارضة – وخصوصاً حزب العدالة والتنمية وحليفه حزب التقدم والاشتراكية – بالتحريض واستغلال المطالب الاجتماعية، في محاولة بائسة لقلب المعادلة السياسية، وتبرئة الحكومة الحالية من فشل بات واضحاً في مختلف القطاعات.
لكن ما يتغافل عنه المتحدث، أو يتعمد إخفاءه، هو أن حزب التجمع الوطني للأحرار ليس طارئاً على المشهد السياسي، بل كان – وما يزال – جزءاً مركزياً من نواة السلطة التنفيذية منذ ثمانينيات القرن الماضي. فقد شارك في كل الحكومات المتعاقبة، وكان في صلب تركيبة الأغلبية الحكومية إلى حدود ولاية حكومة الدكتور سعد الدين العثماني، بل تولّى تدبير قطاعات إستراتيجية، أبرزها وزارة الفلاحة والتنمية القروية والمياه والغابات، والتي قادها لسنوات طويلة رئيس الحكومة الحالي عزيز أخنوش.
فهل نسي السعدي أن حزبه كان يمسك بزمام واحدة من أهم الوزارات وأكثرها حساسية، وهي التي كانت مسؤولة مباشرة عن تأهيل العالم القروي ومواجهة الفوارق المجالية والاجتماعية؟ أليس من باب أولى أن يقدّم حزب الأحرار كشف حساب عن تدبيره لقطاع الفلاحة الذي استنزف ملايير الدراهم باسم “مخطط المغرب الأخضر” و”برنامج التنمية القروية”، دون أن يلمس سكان البوادي أي تحسّن جوهري في معيشتهم أو بنياتهم التحتية؟
بل إن رئيس الحزب ذاته، عزيز أخنوش، ما يزال إلى اليوم محاطاً بشبهات تضارب المصالح، حيث يجمع بين مسؤولية رئاسة الحكومة ومصالح اقتصادية مباشرة في قطاعات إستراتيجية، أبرزها المحروقات والتوزيع وتحلية مياه البحر، دون أن يحرك ساكناً تجاه تقنين السوق أو حماية القدرة الشرائية للمواطن. والأسوأ أن هذه المصالح تُدافع عنها في البرلمان بعض الأصوات التي يبدو أنها تخلط بين الولاء السياسي والمنافع الخاصة.
أما اتهام المعارضة بـ”الركوب على الاحتجاجات”، فليس سوى محاولة يائسة لعكس الأدوار، فالأحزاب التي حكمت سابقاً، وعلى رأسها العدالة والتنمية، ورثت أزمة مالية خانقة، لكنها واجهت التحديات بجرأة وبقرارات صعبة، من إصلاح صندوق المقاصة إلى توسيع برامج الحماية الاجتماعية، دون أن تتنكر لمطالب الشعب أو تقمع حرياته.
وفي المقابل، لا يبدو أن حزب الأحرار يملك اليوم سوى خطاب هجومي أجوف، يكرر فيه إنجازات بلا أثر ملموس في الشارع، ويطوّع الأرقام لإقناع المغاربة بواقع لا يشعرون به: تعليم متردّ، صحة مأزومة، بطالة متفشية، وطبقة متوسطة تئنّ تحت وطأة الغلاء وغياب العدالة الجبائية.
إن السعدي، حين يهاجم العدالة والتنمية والتقدم والاشتراكية، يتهرب من السؤال الحقيقي، ماذا فعلت الحكومة الحالية بكل تلك الإمكانيات والبرامج التي وعدت بها؟ وما الذي تحقق فعلياً من الدولة الاجتماعية غير حملات تسويق سياسي وإعلامي؟
لقد حان الوقت للتوقف عن تسويق الأوهام، ومواجهة الواقع بمسؤولية. أما الخطابات الشعبوية فلن تُخفي الحقيقة، الأزمة أكبر من أن تُخفى، والمسؤولية لا تُرمى في حضن المعارضة، خصوصاً إذا كانت الحكومة ومن يدافع عنها قد تبوأوا زمام السلطة منذ عقود، دون أن ينجحوا في صناعة الفرق.
