عادل الصغير
بعيدا عن محاولات تحويل وتحوير النقاش، ونزوعات تصفية الحسابات السياسية التي انبرى لها بعض ممن ألفوا توزيع صكوك الوطنية على المغاربة بينما يظهر سلوكهم استمرار نهجهم في التضحية بمصالح الوطن ومواطنيه لصالح أولياء أمورهم وأجورهم، كان المفروض أن يكون نداء الأستاذ عبد الإله ابن كيران فرصة لطرح موضوع العزوف عن الزواج بجدية، ونحن على أبواب الحسم في تعديلات مدونة الأسرة المتهمة بالمساهمة في تقليص نسب الزواج بالمغرب.
أعتقد أن العزوف عن الزواج ليس قرارا مريحا فكريا ونفسيا لصاحبه من ذكر أو أنثى، ولا هو قرار مستقل نابع عن إرادة ذاتية لا تتأثر بشكل حاسم بالعوامل المحيطة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وقيميا.
لهذا كان يجب أن يكون هذا النداء من رئيس حكومة سابق إنذارا يعيد التذكير بالمعطيات الصادمة التي رمت بها نتائج إحصاء 2024 إلى الدولة والمجتمع، لتذكرهم أن مسار التقلص قد بدأ:
-وصل المعدل العام للخصوبة إلى 1.97 طفل/امرأة، وهو أقل من العتبة اللازمة للتعويض السكاني (2.1)، مسجلا تناقصا مستمر من 2.5 عام 2004 إلى 2.2 في 2014 إلى 1.97 عام 2024، كما أن المعدل انخفض في الوسط الحضري إلى 1.77.
– تسجيل انخفاض في نسبة الأطفال دون 15 سنة التي بلغت 26.5% حسب نتائج الإحصاء الأخير، في الوقت الذي تسارع فيه معدل شيخوخة السكان، حيث اقتربت نسبة الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 60 سنة فما فوق من 14% بعد أن كانت في حدود 9.4% سنة 2014.
ما يعني أن معدل نمو السكان العام تقلص إلى 0.85% سنوياً، بينما نسبة المتقدمين في السن تنمو بـ4.6% سنوياً.
-تأخر سن الزواج، وتزايد نسبة العزوبية الدائمة 9.4% عند 55 عاماً فما فوق (11.1% للنساء، 7.6% للرجال)، و10.3% بالوسط الحضري مقابل 7.6% في القرى.
-ارتفاع نسب الطلاق من 2.2% سنة 2014 إلى 3.3% (لدى النساء من 3.3% إلى 4.6%).
الموضوع طبعا يتجاوز الأرقام والإحصائيات إلى حالة معيشة ومعاينة يوميا من قبل أغلبنا بخصوص العزوف وتأخر الزواج وتراجع الإنجاب، ما يطرح تحديات وجودية في ظل جيل غير قادر على مجرد تعويض نفسه ولا يقدم ما يكفي من أجل استدامة مقوماته البشرية والحضارية، وطبعا فإن لكل ذلك تبعات اجتماعية واقتصادية، وخاصة ثقافية لأن الأمم لا تستمر فقط بالاقتصاد (وهو ليس حالة المغرب أيضا)، بل بثقافة تتناقلها الأجيال من الدين إلى اللغة إلى التقاليد إلى الذوق الجماعي…
وهذه بالدرجة الأولى مسؤولية المجتمع الذي عليه أن يعمل على تصحيح الوضع ويدفع الدولة دفعا إلى مسايرته في تبني تشريعات وسياسات تشجع على الزواج وعلى الإنجاب وتدعم هذه الاختيارات.
هي مسؤولية المجتمع لأن الدولة لا يعول على إرادتها وحدها في مثل هذه القضايا، وهي في الغالب ارتباطا بوضعها الاقتصادي والسياسي خاضعة للإملاءات والضغوطات، منها تلك التي تتولاها بعض الجمعيات والتيارات المرتبطة بأجندات دولية.
