محمد عصام
في بضع أيام معدودات، فجر معتقل ينتمي لحزب الحمام فضيحة مدوية، برفعه شكاية يتهم فيها عنصرا نافذا في ولاية فاس بأنه تلقى منه مبلغ 8 مليون درهم، مقابل تيسير نجاحه وأخرَين في انتخابات 2021.
يتعلق الأمر بالبرلماني والمنسق الإقليمي لحزب الحمام بفاس، رشيد الفايق، والذي يوجد خلف القضبان بعد إدانته ومن معه بالارتشاء وتبديد أموال عمومية واستغلال النفوذ والسلطة، والحكم عليه بست سنوات نافذة وغرامة مليون درهم.
ولم تمر إلا أيام معدودات حتى تفجرت فضيحة أخرى في وجه أخنوش، بطلتها المدونة مايسة سلامة ناجي التي اعترفت بأن أخنوش حاول إرشاءها بمبلغ مليون درهم “حتة واحدة” مقابل شراء صمتها في انتخابات 2021.
وكان الصحفي نور الدين لشهب في خرجة مصورة على الفايس بوك، قد كشف أن مايسة سبق لها أن تلقت حسب اعترافها له، مبلغ 75 مليون سنتيم، مقابل دعمه في البلوكاج الشهير ضد رئيس الحكومة المعين سنة 2016، الأستاذ عبد الإله ابن كيران.
وكان مستشار بجماعة مكناس، يدعى لحسن خربوش، قد فجر فضيحة من العيار الثقيل داخل دورة من دورات الجماعة، إذ اعترف أنه طُلب منه أداء مبلغ 500 ألف درهم مقابل حصوله على النيابة الأولى.
هذا غيض من فيض الفضائح التي تخنق تلابيب أخنوش وحزبه، وإلا فإن في كل دائرة انتخابية من دوائر هذا الوطن السعيد، يوجد فيها “فايق” آخر و”عايق” من أين تؤكل الكتف، وهؤلاء هم تجار السياسة الذين ابتلي بهم المغرب منذ الاستقلال إلى اليوم، وقد استقر بهم الحال والترحال في حزب الحمام، لأنهم يفهمون الإشارات جيدا، فهذا الحزب اليوم هو الحزب المرضي عليه من طرف السلطة إلى إشعار آخر ورحيل جديد “والله انصر من صبح”.
أخنوش الذي تطوقه هذه الفضائح، وفضائح المتابعات والاعتقالات في صفوف من قدَّمهم للشعب على أنهم “كفاءات” لم يَجُد الزمن المغربي بمثلها، مسؤول بشكل مباشر عن هذه المهازل، ولو كانت عنده مثقال ذرة من تحمل المسؤولية ونزاهة الذمة السياسية، لكان أول عمل سيقوم به هو الاعتذار للشعب المغربي وتقديم استقالته بلا لف ولا دوران.
لكن هذا لن يحدث أبدا، لأن أخنوش ومن وراءه من الذين طبخوا له طبخة 2021، مصرون على قتل السياسة في هذا البلد، والإيغال في زرع اللامعنى في المشهد، والذي ينفث هذا الإصرار والصلف في سلوكهم وتوجههم هذا، هو استكانتهم المطلقة وتعويلهم الكامل على سلطة المال والنفوذ، ففي معتقد هؤلاء- وهو معتقد فاسد بمنطق العلم والسياسة معا- أن المال يشتري كل شيء بما في ذلك القناعات وأصوات الانتخابات، ويشتري الصحافة والأقلام ويكمم الأفواه، وله أيضا الحق في دوس الكرامات واستخدام المؤسسات والقوانين لتصفية الحسابات وفتح المتابعات، إنه في عرف هؤلاء المال يصنع كل شيء، ويده تصل لكل مكان، ولا حدود لسلطته، فهو فوق السلط جميعا، يخترقها بنفوذه ويصنع داخلها برنين دراهمه، المواقع والامتدادات، ويستخدمها لتنزيل الأجندات وبناء التحالفات.
قبل سنوات كتب الأستاذ توفيق بوعشرين افتتاحية بعنوان “لا تلعبوا مع الملياردير” ويقصد أخنوش بالاسم والصفة، وآنذاك كان الأخير مجرد وزير للفلاحة قبل أن يصير رئيس حكومة، ومما جاء فيها :”ودفتر شيكاته أي أخنوش، علَّمه أن صاحب المال دائما على حق، وصاحب السلطة دائما مهيب الجانب، وأن الصحافة لها ثمن وليست لها قيمة، وأن جمهور القرّاء وظيفته أن يطّلع على الجانب المشرق من حياة رجل السياسة والمال، أما الجانب المظلم فيجب أن يبقى خارج الصورة تماما.”
الجواب عن هذه الافتتاحية كان هو سنوات وراء القضبان، لكن اللعبة الشيكات مع الصحافة استمرت كما استمر ترويض المال للسياسة ببشاعة، حتى وصلنا لهذا الحضيض الذي نعيشه، فالكل فَقَد المعنى وتلاشت فيه الروح التي تسكنه، بدءا من السياسة إلى الإعلام مرورا بالثقافة والفن، الكل أصبح مهيأ للعب دور الكومبارس في مسرحية رديئة الإخراج مقابل دراهم معدودات وسلطة أو وجاهة عابرة.
ما يرشح اليوم من فضائح ستتلوها بكل تأكيد فضائح أبشع مع مرور الوقت، وافتراق المصالح، يؤكد كل ما دأبنا على قوله في هذه الزاوية، أن المال إذا ستعمل في السياسة أفقرَها من المعنى، وإذا استعمل في الإعلام وصناعة الرأي، تصَحَّر الفضاء العام، واستبدت به التفاهة والتافهين، إلى أن يشاء الله أمرا كان مفعولا.
