بويغرومني تكتب: انتخابات 2021… هل وُظّف المال الفاسد لإسقاط إرادة شعب؟!

نعيمة بويغرومني


وعليه، نكتب اليوم لا بحثًا عن بطولة، ولا رغبة في تصفية حسابات، بل لأننا نؤمن أن الحقيقة، مهما تأخرت، لا تموت…
نكتب لأننا لم ننسَ بعد، ما جرى في انتخابات 2021، ولن ننسى، ما حيينا، تلك الليلة التي سقطت فيها الديمقراطية… تحت أقدام المال الفاسد.
نكتب اليوم ، لأن رأسنا أصابه دوار “دوخة كبيرة ” أمام الملايين والمليارات التي أضحت تُتداول اليوم كأرقام صادمة في تصريحات هذا الصحفي وتلك المؤثرة وذاك السياسي…
ملايين ومليارات لم تعد مجرد تخمينات أو مزاعم، بل أصبحت معالم واضحة لزلزال سياسي وأخلاقي ضرب بلادنا في انتخابات 2021، وترك وراءه شروخًا عميقة في جدار الثقة، وأوجاعًا لا تندمل في قلب المواطن.

نعم، ظننتُ – ولا أظنه ظنًا يؤثم عليه – أن ما جرى يومها لم يكن مجرد خلل في الصناديق، بل اغتيال موصوف لإرادة شعب بأكمله…

فمن رأى ما رأينا، وسمع ما سمعنا، يدرك أن ما جرى لم يكن تناوبًا سياسيًا طبيعيًا، بل عملية “جراحية” بتخدير ديمقراطي كاذب، والهدف كان واضحًا:
كسر شوكة حزب العدالة والتنمية، حتى لو احترق الوطن بجمر المال الفاسد.

وهكذا، تحولت الانتخابات إلى بازار كبير، تُشترى فيه التزكيات كما تُشترى العقارات، وتُباع فيه اللوائح كما تُباع السلع المهربة…
و تُدار فيه الصفقات في المقاهي والفنادق، لا في المقرات الحزبية، وتُحسم فيه النتائج قبل أن يُفتح أول صندوق!

فأين هي “المنافسة الشريفة” التي وعدونا بها؟
كيف يمكن لحزب خاض معركتين انتخابيتين سابقتين، ونال ثقة الشعب عبر صناديق نزيهة، أن يُهزم بتلك الطريقة المفبركة، دون أن تُدق أجراس الإنذار؟

هل المطلوب هو تغيير الحزب؟
أم الإجهاز على مفهوم “المحاسبة السياسية” من الأصل، لنبعث برسالة قاتلة لكل من يحاول الإصلاح أو الاقتراب من مراكز الريع والفساد، قولًا أو فعلًا؟!

وبكلمة، إن الخاسر الأكبر لم يكن حزب العدالة والتنمية، بل كان الوطن نفسه، والتجربة الديمقراطية، وكرامة المواطن – الذي صوت عن قناعة – التي أُهينت أمام “وسطاء اللوائح”، و”سماسرة الأصوات”، و”مهندسي النتائج”.

ولسنا نعدم الأدلة على صدق هذا الطرح المبكي:

فتصريحات البرلماني المعتقل رشيد الفايق مؤخرا كشفت عن واقع فاسد متجذر، نظام كامل قائم على البيع والشراء السياسي، لا على الكفاءة والاختيار الشعبي!!

و”اعترافات” مايسة سلامة الناجي أيضا، فجّرت كثيرًا من المسكوت عنه من صفقات ” خذي واسكتي “.
وها نحن ننتظر تكذيبا أو تفنيدًا من قبل من يعنيه الأمر، ولا جواب!!
و اعترافات الصحفي محمد رضا الطاوجني حول العرض المغري (170مليون سنتيم ) وراتب شهري مقابل عدم انتقاده لأخنوش …
أما الهروب الجماعي لعدد من “المنتسبين الجدد” بعد الفوز، فلم يكن سوى صفعة أخرى تؤكد أن الغرض لم يكن خدمة الوطن، بل قضاء “مهمة انتخابية” انتهت بالانسحاب بعد قبض الأثمان!

والأدهى من ذلك، أن بعض أجهزة الإدارة العمومية لم تتورع عن الانحياز، وصمتت عن الخروقات، أو غضّت الطرف عنها، حتى لا نقول إنها ساهمت أحيانًا في “تزكية هندسة الخريطة”، وكأن الوطن شركة خاصة، لا دولة لها دستور ومؤسسات!

لقد كانت انتخابات 2021، بكل صدق، لحظة سقوط مدوية للثقة…لحظة انفراط عقد السياسة النظيفة على أعتاب المال الوسخ.
ومهما حاول البعض تجميل المشهد، ورسم الابتسامة على وجهٍ متكدر، فإن الحقيقة كالماء… لا تُمسك باليد.

وسيأتي يوم، لا ريب فيه بحول الله، تُفتح فيه الملفات… ويُسأل فيه الجميع:
من باع الوطن؟ من اشترى الضمائر؟ من رسم الخريطة؟ ومن بارك الجريمة بالصمت؟

وعليه، فإن إنقاذ الثقة… مسؤوليتنا جميعًا
واسترجاعها اليوم ليس ترفًا سياسيًا، ولا مهمة حزبية، بل أولوية وطنية، وهي مسؤولية مشتركة، يتقاسمها:

السياسي بخطابه وسلوكه.

والإعلامي بجرأته،

والمثقف بوعيه،

والإداري بنزاهته،

والمواطن بصوته وضميره.
فلا إصلاح بدون مواجهة الحقيقة، ولا مصالحة مع المواطن دون محاسبة من خذلوه.

وعليه، لست أذيع سرًّا إن أعربت عن ابتهاجي بخطاب جلالة الملك الأخير بتاريخ 29 يوليوز 2025 .
إذ في خضم هذا السواد الجاثم على النفس والمحيط جرّاء ما نسمع ونقرأ، جاء خطاب جلالته، ليعيد شيئًا من الضوء وسط العتمة…
خطاب واضح في نَفَسه الإصلاحي، جريء في لغته، حاسم في دعوته إلى إعادة الثقة، وتطهير الحياة العامة، وإنهاء زمن التلاعب بإرادة الشعب.

فها نحن اليوم أمام موعد جديد مع التاريخ…
والانتخابات التشريعية المقبلة لن تكون مجرد استحقاق عادي، بل اختبار وطني تحت المجهر الدولي، لا سيما ونحن على أبواب استضافة عرس كروي عالمي، ونحن قبله أمام خيارين لا ثالث لهما:

إما أن نحول خطاب الملك إلى واقع، ونجعل من الثقة مشروعًا جماعيًا حقيقيًا…
أو نُطفئ هذا النور من جديد، ونُدخل الوطن في نفقٍ لا ضوء فيه ولا أمل.

ختاما ، ولا ختام لتجديد النيات وإعمال الفكر النير

أيها السادة… يا عقلاء الوطن …. يا شرفاءه.
لسنا نكتب لنسجل موقفًا في رفوف التاريخ، بل لندقّ ناقوسًا في لحظةٍ مفصلية.
فالوطنُ، الذي ناضل لأجل حريته رجالٌ ونساء، لا يستحق أن يُباع على أرصفة السياسة الرخيصة، ولا أن يُختطف كل خمس سنوات من غرف مظلمة لا تعرف معنى الديمقراطية.

أي نعم، نريد انتخابات نظيفة… لكن قبلها، نريد ضمائر نظيفة، ومؤسسات لا تُدار بالهاتف، ومسؤولين لا يخشون الحقيقة، بل يواجهونها.

فلتكن الانتخابات القادمة موعدًا مع الصدق… لا مع الأقنعة.
موعدًا مع المواطنة… لا مع الزبونية.
موعدًا مع الوطن… لا مع المصالح.
وحتى ذلكم الحين، هذه رسالتي أكتبها بمداد من حب فياض لهذا الوطن مشوب بخوف عليه
” لانريد صندوقا يبتلع الحلم …بل وطنا يحتضن الحقيقة “.

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.