هند البكي
تشكل وضعية النساء في المغرب مؤشرا دقيقا لحالة التنمية والعدالة الاجتماعية في البلاد. فما تزال النساء تواجه واقعًا صعبًا ومعقدًا على مختلف المستويات، حيث لم تتجاوز نسبة النشاط الاقتصادي 19% رغم وعود الحكومة في برنامجها برفع نسبة نشاط النساء من 20% إلى 30% في أفق 2026، فالأرقام تكشف فشلًا صارخًا وتراجعًا إضافيًا يعكس غياب رؤية حقيقية للإصلاح. أما في التعليم، ما تزال نسب الهدر المدرسي مرتفعة بشكل مقلق.
أما في القطاع الفلاحي، فتعيش العديد من النساء المغربيات ظروفًا غير إنسانية تشكل مساسًا صارخًا بكرامتهن وحقوقهن الأساسية، حيث يُفرض عليهن العمل في بيئات قاسية ولساعات طويلة، مقابل أجور زهيدة. الأخطر من ذلك، أن ظروف تنقلهن اليومية تتحول إلى كوارث متكررة، إذ يتم نقلهن في شاحنات أو عربات مخصصة للبضائع والحيوانات، مما يعرضهن لحوادث مأساوية مميتة، كما وقع في حادثة تارودانت الأخيرة، التي خلفت وفيات وإصابات خطيرة. هذه الوضعية المأساوية تعكس هشاشة المنظومة القانونية وغياب الرقابة الجادة، وتشكل جرحًا مفتوحًا في مسار تحقيق العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية للعاملات في هذا القطاع الحيوي.
وفي القطاع الصحي مازالت تشكل وفيات الأمهات تحديًا كبيرًا، إذ بلغ معدل وفيات الأمهات 70 حالة وفاة لكل 100.000 ولادة، فالنسبة ما تزال مرتفعة مقارنة بالمعايير الدولية، وحتى مقارنة بدول مثل تونس (37)، ومصر (17)، والأردن (38.5)، والسعودية (16)، والإمارات (9).
و من جانب آخر، يبرز ضعف تمثيل النساء في مواقع المسؤولية، رغم كل الشعارات المرفوعة حول المناصفة والتمكين. حيث لا تتجاوز نسبة النساء في البرلمان المغربي 24.3%، أما في المناصب العليا، فتبلغ النسبة حوالي 28.2%. هذه الأرقام تعكس استمرار الفجوة بين النصوص الدستورية والسياسات الفعلية، وتشير إلى الحاجة الملحة لاعتماد آليات أكثر فعالية لدعم وصول النساء إلى مواقع القرار، وجعل التمثيلية النسائية رافعة حقيقية لدعم التنمية والدفع بالمسار الديمقراطي.
في مقابل التركيز على هذه التحديات الجوهرية، انحرف النقاش نحو قضايا هامشية، حيث اختارت بعض الجهات انتقاد تصريحات الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، إذ طرح قضايا واقعية وحقيقية تقض المجتمع. ومع احترام مواقف هذه الجهات، فإنها لا تمثل إجماع النساء المغربيات، وكان أولى بها تبني مقاربة قائمة على الرأي والرأي الآخر، والإنصات والنقاش البنّاء، بدل الحكم المتسرع والنمطي. فالمشكلات التي أثارها ليست ماضوية أو رجعية أو شعبوية، بل هي في صلب النقاش العالمي الراهن، الذي يدعو إلى تحقيق التوازن بين الحياة المهنية والحياة الأسرية. فقد أكد تقرير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية سنة2022 أن دعم هذا التوازن يساهم في تحسين جودة الحياة والصحة النفسية، ويحافظ على معدلات ولادات مستقرة، ويحد من ظاهرة العزوف عن الزواج.
وقد أشار تقرير صندوق الأمم المتحدة للسكان سنة 2025 إلى تزايد ظاهرة تأخر سن الزواج وتراجع معدلات الولادات في العديد من الدول، مما يهدد التوازن الديمغرافي والاجتماعي في المستقبل. حيث تعكس الأرقام الرسمية تحولات عميقة في بنية المجتمع المغربي، مع تزايد ظاهرتي العزوبة والطلاق. وبلغت نسبة النساء غير المتزوجات حوالي 40.7% سنة 2022، في المقابل تشهد ظاهرة الطلاق ارتفاعا مستمرا، ما يعكس تحولات كبرى في قيم الأسرة والاستقرار الاجتماعي.
إن وضعية النساء في المغرب تتطلب مقاربة صادقة، وسياسات شجاعة تتجاوز الشعارات، وتعمل بجدية على تحسين التعليم، وتوسيع فرص العمل، وحماية النساء في ظروف العمل، وضمان تمثيل حقيقي في مواقع القرار، بعيدًا عن النقاشات الهامشية. إن الاعتراف بتعدد اختيارات النساء وحريتهن، ودعم توازنهن بين الأسرة والعمل، يظل مفتاحًا أساسيًا لأي تنمية عادلة ومستدامة، ويكرّس مكانة المرأة المغربية كفاعل رئيسي في بناء مغرب المستقبل.
