ماذا بعد الاعترافات العالمية بدولة فلسطين؟ قراءة في الأسباب والخلفيات

حميد بحكاك، باحث في علم السياسة والقانون الدستوري


أعلنت نحو 15 دولة أوروبية، على رأسها فرنسا وبريطانيا والنرويج والبرتغال وإسبانيا نيتها الاعتراف بدولة فلسطين وإعلان هذه الخطوة أثناء انعقاد الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في أيلول/ سبتمبر 2025. وأكدت هذه الدول، في بيان مشترك، أن الاعتراف بدولة فلسطين يمثّل “خطوة أساسية نحو حل الدولتين”.
فما هي خلفيات وحسابات هذا الاعتراف وما آثاره على القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني؟
في السياق والأسباب
جاءت هذه الاعترافات الغربية والأوروبية بعد ما يقرب من عامين مارس فيهما الاحتلال كافة الجرائم الإنسانية في تلك الحرب والإبادة الجماعية انتهاء بالتجويع حتى الموت دون أن يُحرّك المنتظم الدولي أدوات فعالة لوقف هذه الجرائم،التي خلفتأكثر من 60 ألف فلسطيني، من بينهم 18,600 طفل و12,400 امرأة و4,420 مُسنّ، فضلًا عن أكثر من 100 ألف مُصاب، وتشريد ما يقرب من مليوني إنسان، وتدمير قرابة 90% من القطاع، وتعريض حياة مئات الآلاف من الغزيين للموت قصفا وجوعًا.
وجاءت هذه الاعترافات بسبب الضغط الشعبي الداخلي من خلال المسيرات العالمية الحاشدة والتظاهرات وحركات المقاطعة للشركات الداعمة لإسرائيل والمطالبة بوقف الحرب ومعاقبة مجرمي الحرب ومرتكبي هذه المجازر في حق الشعب الفلسطيني وفي قطاع غزة، مما دفع هذه الدول “الديمقراطية” إلى التناغم مع مطالب الشارع ولو في الحد الأدنى، لأن مشاهد القتل والقصف للنساء والأطفال، والجوع والتجويع التي تعرض على الهواء مباشرة، وضعت هذه الدول الغربية أمام أزمة ضمير وفي موضع حرج أمام الرأي العام الداخلي والعالمي، باعتبار الدول الغربية ما فتئت ترفع شعارات حقوق الإنسان والمرأة والطفل وحق الشعوب في تقرير مصيرها، إذا بها تجد نفسها متناقضة مع شعاراتها، والتعامل بمعايير مزدوجة مع ما بين ما يجري في الحرب الروسية الأوكرانية وما يجري في فلسطين المحتلة.
وما يميز هذه الاعترافات هذه المرة أنها تأتي من الدول الغربية المدافعة عن حق إسرائيل في الوجود، وجعل الحفاظ على أمن إسرائيل من ثوابت سياستها الخارجية، فبريطانيا الحليف الأوروبي الأول لإسرائيل وأمريكا وصاحبة وعد بلفور 1917 الشهير، تريد الاعتراف بدولة فلسطين، وفرنسا التي انحازت لإسرائيل بالدعم السياسي والعسكري في بداية الحرب على غزة تعتزم الاعتراف بدولة فلسطين في شهر شتنبر المقبل أثناء انعقاد الجمعية العامة، كما تريد فرنسا بهذا الاعتراف مواصلة سياستها “المستقلة” عن الخط الأمريكي وامتدادا لسياسة الجنرال دوكول ثم جاك شيرا ك، كما أن فرنسا وبريطانيا عضوين دائمين في مجلس الأمن،و شكّلت الخطوات التي اتخذتها عدد من دول القارة الأوروبية في مواجهة هذه الإبادة، كاعتراف إيرلندا وإسبانيا والنرويج بفلسطين، ضغوطًا إضافية على حكومات الدول داخل الاتحاد الأوروبي، وإصدار المحكمة الجنائية الدولية، في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، مذكرة اعتقال بحق نتنياهو ووزير الحرب السابق يوآفغالانت، مما وضع رؤساء الدول الأوروبية في موقف حرج، إذ إن تجاهل تلك القرارات يعني عمليًا تشجيع إسرائيل على الاستمرار في جرائمها وتقويض قرارات المحكمة التي تعوّل عليها أوروبا في فرملة التهديد الروسي للقارة.
كما جاء هذا الاعتراف الرمزي بعد فضح المعايير المزدوجة والكيل بمكيالين التي أصبحت لصيقة بالغرب وسياساته ومواقفه وتصريحاته اتجاه القضايا والأحداث الدولية عندما يتعلق الأمر بدول الجنوب أو العالم العربي والإسلامي وكل ما هو خارج المنظومةالغربية(المقارنة بين أوكرانيا وفلسطين مثال واضح وفاضح) .
وهذه الاعترافات وإن جاءت متأخرة لا تخلو من حسابات سياسية وتحقيق مكاسب ديبلوماسيةفي منطقة الشرق الأوسط وكسب الرأي العام الداخلي والراي العام الخارجيالعربي والإسلامي بعد سقوط صورة الغرب “الديمقراطي” و “الإنساني”، وإعادة الدور لهذه الدول الأوروبية في منطقة الشرق الأوسط التي استأثرت بها أمريكا أولا وإسرائيل بالتبعية، وهذه الاعترافات أيضا جزء منها جاء لممارسة الضغط على إسرائيل لإيقاف المجازر ووقف الحرب، كما أنها نوع من التعويض عن المطالبة بمحاكمة إسرائيل ومسؤوليها العسكريين والأمنيين والسياسيين.
من جهته اعتبر الاحتلال الإسرائيليأن الاعتراف بدولة فلسطين هو اعتراف بحركة حماس وتشجيع للإرهاب( في القاموس الأمريكيالإسرائيلي ) وقلل من أهميتها، إذ اعتبر جزء من الراي العام الإسرائيلي أن الاعترافات بدولة فلسطينية لا تعدو كونها خطوة تضامنيةورمزية.

هل من تأثير الاعتراف بدولة فلسطين على القضية الفلسطينية؟
في عام 2011، تبنت منظمة التحرير الفلسطينية استراتيجية لنيل العضوية الكاملة في الأمم المتحدة تمثلت في تبني برنامج عمل أسمته “إنهاء الاحتلال وإنشاء الدولة”، ظنا منها أن هذه الخطوة ستُغيّر موازين القوى الدولية لصالح القضية الفلسطينية وحق الشعب الفلسطيني في قيام دولته المستقلة،وخلال 14 عامًا من الحراك الدبلوماسي والإعلامي، بلغ عدد البلدان التي تعترف بفلسطين قرابة 150 دولة في مختلف أنحاء العالم (من أصل 193 دولة عضو في الأمم المتحدة)، وهو ما يُعد من حيث الشكل انتصارًا سياسيًا للفلسطينيين، إلا أن السؤال الجوهري يظل مطروحًا: هل ترجمت تلك الاعترافات إلى إجراءات ملموسة للقضية على أرض الواقع؟
ومنذ بداية حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023- اعترفت 9 دول جديدة بالدولة الفلسطينية، من بينها 5 دول أوروبية هي إسبانيا والنرويج وأيرلندا وسلوفينيا وأرمينيا. هذه الاعترافات الدولية بفلسطين عرَتالاختلاف القائم بين مواقف الدول الغربية الأوروبية فيما بينهامن جهة و بينها و أمريكا من جهة أخرى، كما حدثفي التعامل مع الحرب الروسية الأوكرانية و الموقف من محاكمة مجرمي الحرب في إسرائيل.
وتشكل هذه الاعترافات حلقة في مسلسل تآكل الدعم الدولي لـ”إسرائيل”، ومحاكمة إسرائيل وقادتها أمام محكمة العدل الدولية ومحكمة الجنائية الدولية، وانكماش تلك الهالة من الإجماع الدبلوماسي التي أحاطت بها لعقود طويلة، كما ساهمت هذه الاعترافات في عزلة إسرائيل دولياوعمقت التناقضات داخل الكيان الإسرائيلي والتهديد الوجودي للكيان، كما عكست ضعف المجتمع الدولي وشلل منظماته التي عجزت عن إنهاء ظاهرة الاحتلال والاستعمار، وقد يُمهّد هذا التحول إذا ما تم استثماره سياسيًا، إلى تحركات أكثر جرأة في مجلس الأمن، وربما يؤدي إلى محاسبة إسرائيل دوليًا (حالة نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا) خاصة إذا حظي الاعتراف بدعم من دول دائمة العضوية.
خلاصة
لا شك أن هذه الاعترافات بدولة فلسطين ستكون لها قيمة رمزية كبيرة، إلا أنها جاءت اعترافا مشروطا بتحديات عدة خصوصا من بعض الدول الأوروبية، منها إبعاد حماس ونبذ المقاومة ونزع السلاح، فضلا عن الاعتراف بإسرائيل دون إلزامها حتى باعتراف مقابل، كما أنه لا يحمل في طياته إجراءات عملية ملموسة، لا من حيث شكل الدولة ومضمونها كترسيم الحدود ولا من حيث عودة الفلسطينيين وإيقاف الاستيطان، مما يجعل هذه الاعترافات نوع من الالتفاف على جوهر القضية الفلسطينية باعتبارها قضية احتلال ينبغي إنهاؤه وفق القانون الدولي الإنساني وليس مساعدات إنسانية ينبغي تيسير إدخالها إلى غزة.

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.