نور الدين يكتب: الأرشيف الإسباني حول الصحراء ومسؤولية الخارجية المغربية

أحمد نور الدين


أكيد أنّ فتح أرشيفات القوة الاستعمارية الإسبانية حول الصحراء المغربية، بعد أن سلّمت القوة الاستعمارية الفرنسية حوالي 2.5 مليون وثيقة لها علاقة بالمغرب، يعتبر خطوةً مهمة جداً على أكثر من صعيد، ومنها على الخصوص تعزيز الموقف الدبلوماسي المغربي في نزاع الصحراء من خلال الكشف عن الحقائق التاريخية والسياسية والعسكرية التي تؤكد أن الساقية الحمراء ووادي الذهب جزء لا يتجزأ من تراب المملكة المغربية أو ما كان يعرف بالإمبراطورية الشريفة خلال القرن التاسع عشر وبداية العشرين.
الفائدة من هذا الأرشيف ستكون عظيمة من عدة زوايا: الأولى، فهم نشأة المشكلة، فالأرشيف سيثبت أنّ إسبانيا إلى جانب فرنسا قامتا بتقسيم أراضي المغرب إلى مناطق نفوذ وهو ما كان السبب الرئيس في ظهور نزاع الصحراء.
الثانية، كشف الاعتراف الإسباني الضمني والإداري بمغربية الصحراء رغم التقسيم الجغرافي، وذلك من خلال الوثائق والمراسلات بين السلطات الإسبانية في الصحراء مع ممثل إسبانيا في تطوان قبل 1956 ثم مع ممثلها في سيدي إفني إلى غاية 1969، لأنّ هذا الأرشيف سيظهر أنّ إسبانيا كانت تتعامل مع الصحراء كإقليم تابع للمغرب من خلال تبعيته الإدارية ل مدينة تطوان.
الثالثة: فضح الدور الإسباني في بذرة الانفصال، بدءاً بخلق الجماعة الصحراوية كمجلس لممثلي القبائل تمهيداً لخلق كيان انفصالي، وصولاً إلى تشجيعه حزب “البونس”، ثمّ الإقصاء من إحصاء 1974 لكل الصحراويين الذين هاجروا فراراً من البطش الإسباني نحو أقاليم مغربية أخرى في الشمال أو هجّرتهم إسبانيا قسرياً في الخمسينيات بسبب عمليات جيش التحري المغربي في الصحراء، خاصة بعد عملية “إيكوفيون 1958”.
الرابعة، إبراز دور جيش التحرير المغربي في الصحراء المغربية من خلال المراسلات والتقارير السياسية والعسكرية الإسبانية حول تحركاته وعملياته ضد جيش الاحتلال الإسباني.
الخامسة، تسليط الضوء على المناورات الدبلوماسية الإسبانية ضد المغرب في الأمم المتحدة ابتداء من تاريخ إدخال المغرب لملف الصحراء وسيدي إفني إلى اللجنة الرابعة والهيئة الأممية عموماً. السادسة، فضح تآمر الدولة الجزائرية منذ 1962 مع الاحتلال الإسباني، من أجل منع استرجاع المغرب لإقليمي الساقية الحمراء ووادي الذهب، وهذا الملف لوحده سيشكل قنبلة نووية في تعرية جذور وخلفيات ومآلات النزاع في الصحراء. وهناك طبعاً زوايا أخرى سيكشف عنها الأرشيف الاستعماري الإسباني.
ولكنني أدق ناقوس الخطر من الآن، مثلما فعلته عند إعلان فرنسا تسليم 2.5 مليون وثيقة من الأرشيف للمغرب، ذلك بأنّ الإشكال لم يكن يوماً في الوصول إلى الوثائق التاريخية التي تثبت مغربية الصحراء سواء الشرقية أو الغربية، فلدينا من الوثائق في الخزانة الملكية ما يغنينا وزيادة، ولدينا في مؤسسة أرشيف المغرب وفي ملكية الأشخاص الذاتيين آلاف الوثائق التي تثبت بالتفصيل سيادة المغرب على هذه الأراضي العزيزة على كل مواطن مغربي.
ولكن الإشكال العويص يكمن في كيفية استثمار هذا الأرشيف الإسباني، وقبله الفرنسي كذلك، بشكل عقلاني وقانوني ودبلوماسي باتجاه الطيّ النهائي للنزاع في أروقة الأمم المتحدة.
وأول مدخل هو توفير وزارة الخارجية ميزانية خاصة ومئات المنح للأساتذة الباحثين الجامعيين والدبلوماسيين المتمرسين والخبراء القانونيين قصد استخراج كنوز هذا الأرشيف الاستعماري وفقاً لدفتر تحملات دقيق وهادف، يسمح بتعزيز الموقف المغربي في مختلف جوانب القضية، بشواهد تاريخية ووثائق دبلوماسية وعسكرية تصب كلها في ديباجة مذكرات ترافعية تطوي الملف نهائياً وبعير رجعة، وتؤكد مغربية الصحراء وتفضح تفاصيل المؤامرة التي تعرض لها المغرب من طرف القوتين الاستعماريتين ثم التآمر الجزائري ودوره القذر في هذا النزاع.
إذا لم تخصص الخارجية ميزانية وفريقاً متكاملا وخطة محكمة لتحقيق الأرشيف الإسباني واستثماره في ملف الصحراء بشكل عقلاني ومنهجية واضحة، فإنّ هذا الأرشيف سيبقى طي النسيان ويعلوه الغبار، سنقوم فقط بتغيير من خزانات إسبانيا وأدراجها ورفوفها، ليدخل إلى دهاليز مغربية لوقايته من الرطوبة واللصوص والأرَضَة، كما هو الحال مع الأرشيف المتوفر لدينا منذ عقود وقرون، ولازال ينتظر من يحققه ويخرجه إلى دائرة الضوء في ظلّ تغافل الجامعات المغربية ومعهد الدراسات الإيبيرية الذي تمّ تقزيمه من طرف الحكومة كما فعلت مع معهد الدراسات الإفريقية، وزارة التعليم العالي ووزارة الخارجية اللتان تبخلان عن تخصيص ميزانية سنوية لتحقيق الأرشيف واستكشافه ونشره وترجمته، بغرض توظيفه في المرافعات الدبلوماسية والقانونية سواء في إطار متعدد الأطراف داخل الأمم المتحدة أو بشكل ثنائي مع دول العالم. قد أسمعت لو ناديت حيّاً.

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.