اعنيكر يقارن بين أداء حكومتي العثماني وأخنوش ويؤكد: المغرب يعاني من تضارب للمصالح والمواطن يدفع الثمن

عبد النبي اعنيكر


في زمن حكومة عزيز أخنوش لم يعد تضارب المصالح مجرد اتهام يطلق في الكواليس أو شعار يرفعه كل معارض غاضب، بل صار واقعًا مكشوفًا يتلمسه المواطن في تفاصيل حياته اليومية. حكومة رفعت شعارات التنمية والاستثمار والعدالة الاجتماعية، فإذا بنا نجد أنفسنا أمام سياسة مالية لا تعرف سوى باب واحد، الاقتراض الخارجي. وللمفارقة، فإن هذا الباب فُتح على مصراعيه في وقت كان ينتظر فيه المغاربة بوادر انتعاش اقتصادي بعد انحسار جائحة كورونا.
الفرق بين الأمس واليوم واضح للعيان، ومؤلم في الآن نفسه. حكومة سعد الدين العثماني واجهت جائحة عالمية خانقة، غير مسبوقة في التاريخ المعاصر، ورغم ذلك شدّت الحزام على نفسها قبل غيرها، بل إن وزراءها تنازلوا عن جزء من تعويضاتهم لصندوق مواجهة الجائحة، في بادرة نادرة من المسؤولية والتضامن الوطني. أما اليوم، فنرى حكومة أخنوش تسوّق القروض على أنها استثمار وتعتبرها عصا سحرية لحل المعضلات، بينما في الواقع تُستعمل هذه القروض لسد عجز التسيير وتمويل نفقات غير منتجة، دون أثر ملموس على حياة المواطن البسيط الذي يئن تحت وطأة الغلاء.
الأرقام لا ترحم ولا تجامل أحدًا. فبحسب بيانات البنك الدولي بلغ الدين الخارجي للمغرب نحو 65.41 مليار دولار سنة 2021، أي في آخر سنة من ولاية حكومة العثماني. ومع حلول 2023 قفز الرقم إلى 69.27 مليار دولار. الفارق ليس مجرد مليارات إضافية على الورق، بل ديون سترهق جيوب الأجيال المقبلة وتحد من استقلالية القرار الاقتصادي والسياسي للمغرب. أما نسبة الدين إلى الناتج المحلي، فقد بلغت 54 في المائة سنة 2020 في ذروة الأزمة الصحية، قبل أن تتراجع إلى 49.5 في المائة سنة 2022، ثم عادت لترتفع إلى حوالي 50 في المائة سنة 2023 وفق البنك الدولي. أي أن الحكومة الحالية لم تستثمر ظرف الانفراج الدولي للتخفيف من المديونية، بل بالعكس عمقت الارتهان المالي.
وإذا كان العثماني قد واجه أزمة صحية كونية، بكل ما رافقها من انهيار سلاسل التوريد وتوقف الحركة الاقتصادية عالميًا، فقد حاول الحفاظ على الحد الأدنى من التوازن، وتبنى خطابًا تضامنيًا استعاد شيئًا من ثقة المواطنين في السياسة. أما حكومة أخنوش فتواجه ظرفًا أقل حدة لكنها اختارت الطريق الأسهل، الاقتراض بلا سقف. إنها حكومة “المسكنات المالية” التي لا تعالج الداء بل تؤجله، ليعود أشد وأخطر.
والمضحك المبكي أن الحكومة تحاول إقناع الرأي العام بأن هذه الديون موجهة للاستثمار، في حين لا يلمس المواطن أي أثر إيجابي على مستوى التشغيل أو تحسين الخدمات الصحية والتعليمية أو البنية التحتية.. الأسعار ترتفع، القدرة الشرائية تنهار، السوق تزداد ضيقًا، ومع ذلك لا يملّ وزراء الحكومة من الحديث عن “إصلاحات كبرى” و”أوراش عملاقة”. الإصلاح الحقيقي يحتاج إلى رؤية واستراتيجية وليس إلى دفتر شيكات مفتوح على حساب الأجيال المقبلة.
تضارب المصالح اليوم ليس مجرد حديث سياسي، فهو حقيقة متجسدة، حكومة يتزعمها رجل أعمال ضالع في السوق، وشبكة من المصالح الاقتصادية التي تتحكم في الأسعار والصفقات، بينما يدفع المواطن ثمن هذه الازدواجية من جيبه. هكذا يصبح المواطن ضحية مضاعفة، مرة حين يواجه الغلاء في السوق، ومرة حين يسدد من ضرائبه فوائد الديون التي اقترضتها الحكومة لتغطية فشلها.
المحصلة أن حكومة العثماني، رغم كل المآخذ، واجهت أزمة استثنائية بروح المسؤولية والتضامن، أما حكومة أخنوش فاختارت أن تدخل التاريخ من باب آخر، باب الديون المفتوحة بلا نهاية، والتضارب الصارخ بين من يصنع القرار ومن يجني الأرباح. إنها حكومة تدفع البلاد نحو مستقبل رهين، في وقت كان المغاربة ينتظرون من يعزز لهم الثقة في السياسة والشأن العام.

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.