ياسين جلوني
في مجتمعاتنا العربية والإسلامية إذا طرحنا سؤالا عن ما يتبادر للذهن حينما يسمع الفرد منا عن مصلح “الحداثة” و”حداثي”، فإن معظم الإجابات ستدور حول ارتباط هذه المصطلحات بقيم الحريات الفردية والتحرر من التقاليد المجتمعية، والاقتداء بالغرب العلماني في تنحية المقدس والتخفف من القيود الدينية والقيم الأخلاقية المؤطرة للمجتمع. وقد يصل البعض أكثر إلى ربط مفاهيم الحداثة بالانحرافات الأخلاقية وسلوكيات مرتبطة بتناول المشروبات الكحولية وتعاطي العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج. والسؤال المطروح هنا بشدة، هل فعلا هذه الصور الذهنية المتشكلة عبر عقود من الزمن عن مفهوم الحداثة لدى الانسان العربي المسلم هي فعلا التصورات الحقيقية عن هذا المفهوم؟ وإذا كان الجواب بلا، فما هو كنه الحداثة الحقيقي؟
للإجابة عن هذه الأسئلة يكفينا الرجوع إلى التاريخ، وبدايات تشكل هذا المفهوم وجذوره.
ارتبطت الحداثة تاريخيا بمرحلة تاريخية مرت منها الحضارة الغربية الأوروبية وهي العصر الحديث، وهي الفترة التي تلت خروج المجتمع الأوروبي من العصور الوسطى التي كانت محكومة بمنظومة سياسية يحكم فيها رجال الدين المسيحي مع الأسياد في ظل نظام اقتصادي إقطاعي، وبمنظومة فكرية يغلب عليها التقليد المطلق والتصديق لخرافات الكنيسة وتعطيل العقل، ومنظومة دينية المركزية فيها للكنيسة.
تحرر المجتمع الأوروبي من ظلمات القرون الوسطى أتى بالتدريج ابتداء بالحركة الإنسية التي أعادت الاعتبار للإنسان، وأرجعت المركزية له وذلك منذ القرن الخامس عشر، أما القرن السادس عشر فقد عرف حركة إصلاح ديني قادها مارتن لوثر لنزع احتكارية قراءة وفهم النص الديني من قبضة رجال الدين وتعميمه على المجتمع، وتطورت هذه الأفكار التحررية أكثر مع اختراع الطباعة وانتشار المقاهي الفكرية والأدبية، ليأتي القرن السابع عشر بالفلسفات الجديدة من عقلانية وتجريبية، إلى بروز الفلسفة السياسية مع فلاسفة الأنوار في القرن الثامن عشر، وهي التي ستكون لمقدمة من الثورات السياسية التي ستغير الأنظمة السياسية والاقتصادية في أوروبا إلى أنظمة ديمقراطية ورأسمالية في القرن التاسع عشر التي ستنتعش أكثر مع الثورة الصناعية والحملات الامبريالية والاستعمارية التي ستنتهي بنشوء حربين عالميتين.
من خلال هذا السرد التاريخي الموجز يمكننا أن نستشف أهم ملامح الحداثة الأوروبية وسماتها البارزة. فالحداثة في أوروبا اعتبرت ثورة ضد الظلم الاجتماعي الممارس على الإنسان الأوروبي، من خلال تحريره من أتون الجهل والأمية والعبودية، فالإصلاح الديني كان ثورة ضد الكنيسة الحاكمة المتحكمة في رقاب الناس، فالأوروبيون أزالوا أنظمة سياسية واقتصادية وثقافية السلطة فيه للأقلية الدينية والسياسية، وأسسوا لأنظمة سياسية بديلة السلطة فيه للمجتمع والمركزية فيه للإنسان، والمعيار فيه هو العقل وليس الخرافة.
وبالتالي فالحداثة الأوروبية ذات طبيعة سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية، أتت بالمفاهيم والقيم التالية: الحرية والمساواة، العدالة الاجتماعية والكرامةالإنسانية، العقلانية وتفجير طاقات الإنسان الإبداعية والفنية.
وبالرجوع إلى ما قدمنا به مقالنا هذا، سنجد أن الحداثة في مخيال الناس ووعيهم ليست الحداثة التاريخية الحقيقية التي عاشتها الحضارة الأوربية، فكيف اختزلت الحداثة التي أتت بالحريات العامة والحريات السياسية إلى حريات فردية وفئوية، وكيف شوهت الحداثة من المطالبة بالتوزيع العادل للثروات إلى التوزيع العادل للممنوعات والمحرمات، وكيف مسخت العقلانية إلى شهوانية؟
ما وقع لمفاهيم الحداثة وما ارتبط بها من تزييف ممنهج واختزالية مفتعلة من طرف عدة متدخلين أساسيين بشكل واعي وغير واعي، أبرزهم هي الأنظمة الاستبدادية التي تخاف من أي حداثة سياسية حقيقية، ما جعلها تخرج حداثييها المزيفين الذين دورهم بالأساس افتعال نقاشات بيزنطية لا طائل من ورائها، واستفزاز وجدان الشعوب المسلمة بإثارة الشبهات والتشكيك في المعتقدات، والمطالبة بالحريات الفردية، وهو ما يثير حفيظة المجتمع ويجعله يختزل الحداثة في ترهات هؤلاء الحداثيين المدعومين من طرف الأنظمة، والذين توفر لهم مساحات كبيرة في الإعلام العمومي، ودعم وفير، وسلطة على المناهج التعليمية والبرامج الثقافية والاختيارات الفنية.
بنفس الشكل الممنهج كذلك تعطى مساحات لظواهر صوتية تتبنى أفهاما متشددة ومتزمتة للنصوص الدينية، ولها رؤى وتصورات غير واقعية ومنفرة عن التدين، من أجل تشكيل صورة مشوهة عن الإسلام وقيمه، وعن مجتمعاتنا المسلمة، وذلك بربط هذه الاجتهادات الفردية والشخصية بالإسلام وأحكامه، الغرض من ذلك هو صناعة شرعية موهومة للتيار الحداثوي المدعوم سياسيا للعمل على تحرير المجتمع من الاسلام الذي يريدون أن يرسخوا عند عامة الناس أن أحكامه لا تتوافق مع الواقع.
هذا التزييف الذي تعرضت له الحداثة الأصيلة دام لعقود من الشحن والتحريض والاستفزاز المستمر، فما إن يبرز نقاش حول الدمقراطية والإصلاح السياسي ومناهضة الفساد والاستبداد في لحظة تاريخية تستدعي تشكيل كتلة تاريخية مشكلة من مختلف التيارات السياسية والمدنية الحية لتحقيق الانتقال الديمقراطي إلا وتنفجر نقاشات الحريات الفردية للحداثة المزيفة لتتشتت الجهود من جديد وتتأزم الخلافات والتقاطبات. ففي نشوة حراكات الربيع الديمقراطي، انبرت العديد من الرموز الإيديولوجية لخوض معارك دونكيشوتية ضد بعضها البعض لنقاش تفاصيل حرية المعتقد والافطار العلني وغيرهما… بدل الاتفاق على شكل النظام السياسي الجديد في لحظة تاريخية حاسمة، فلم ينتبهوا حتى أتت الثورات المضادة لتسحق الجميع تحت جزمة العسكري والبوليسي، ويدفن جل ذلك النقاش تحت الأرض، ويبقى نقاش الحريات العامة والديمقراطية نقاشا مؤجلا.
إن دعاة الحداثوية المزيفة يستفزهم أن توجد أحزاب وحركات مجتمعية تتبنى المرجعية الإسلامية التي هي مرجعية المجتمع، فتدعو لحظر هذه التنظيمات وحلها بدعوى استغلالها للدين في السياسة، في حين نفس هؤلاء لن تسمع لهم همسا حينما يتم الاستغلال الفج لمنابر الجمعة للترويج للبروباغاندا السياسية للأنظمة الاستبدادية الحاكمة، فلا أبشع من استغلال الأنظمة الاستبدادية العربية للدين لتثبيت حكمها وفرض قيم الطاعة والولاء لشعوب أصبحت مجرد رعايا وليسوا مواطنين لهم عقول يفكرون بها وآراء حرة ومستقلة. وجعلوا من انتقاد الحكام بمثابة الخروج من الدين والملة، والدعوة للتفكير الحر دعوة للفتنة، ويمتحون أدبياتهم من الآداب السلطانية، ويمجدون الحكام لدرجة التقديس، فأين هؤلاء الحداثيون المزيفون من ثورة مارثن لوثر ضد الكنيسة المستعبدة للشعوب، وأين حداثتهم من حداثة فلاسفة الأنوار كفولتير وروسو ومونتيسكيو، الذين رسخوا فكرة العقد الاجتماعي والفصل بين السلط والحرية والمساواة؟
إذا لم يكن ما يروج له دعاة الحداثوية المزيفة “حداثة”؟ فمن أين يمتحون هذه الأفكار الانحلالية والقيم الفردية؟
إن دعاة الحداثوية المزيفة يمتحون من قاموس “ما بعد الحداثة” وليس “الحداثة”، فما بعد الحداثة هي تعبير ثقافي غربي برز منذ أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، والذي فيه انقلاب على الحداثة نفسها، فإذا كان الإنسان هو مركز اهتمام الحداثة، فإن الجسد فقط هو ما يحتل مركز اهتمام فكر ما بعد الحداثة، وإذا كان العقل هو المعيار في الفكر الحداثي، فإن اللذة هي المعيار في فكر ما بعد الحداثة، فما بعد الحداثة أطاحت بكل المقدسات والمعايير الأخلاقية والمجتمعية، وقامت بتأليه الجسد ورغباته، وتبنت قيم العبثية واللامعنى والفردانية المطلقة.
تركيزنا على الحداثوية المزيفة راجع بكونها تحتل حصة الأسد من تمثيل دعاة الحداثة في الإعلام والساحة الفكرية والسياسية، في حين تظل مساحات ضيقة لبعض الحداثيين القلائل الذين يتبنون الحداثة بشموليتها السياسية والمجتمعية وكذلك الثقافية والفلسفية.
والحداثة المفتقدة في وقتنا الراهن والمطلوب النضال من أجلها، هي الحداثة التي ستحرر وعي الإنسان العربي المسلم من الاستبداد المسلط عليه منذ قرون من الزمن، فالمسلمون عبر تاريخهم استطاعوا دحر الاستعمار الأجنبي، إلا أنهم للأسف رضخوا للاستبداد السياسي لاسيما بعد الانقلاب على مبدأ الشورى في تولية الحكام في التاريخ الإسلامي، وتم اعتماد منطق الوراثة والغلبة بالقوة. فما أحوجنا لحداثة كالتي أتى بها النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، حداثة تساوي بين الناس وتعيد الكرامة للناس، وتحرر الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، وتحقق العدالة الاجتماعية، والتقاضي بين الناس بالعدل، وتوفر المناخ لحركة الفكر والعقل، وازدهار العلوم والآداب والفنون.
فالحداثة الأوروبية التي سبق الحديث عنها ما هي إلا بنت النهضة العربية والإسلامية، فالحضارة الأوروبية استفادت الشيء الكثير من العلوم والفلسفات والابداعات للحضارة الإسلامية، لدرجة أنها أخذت الكثير ونسبت الكثير لها.
الأنظمة العربية الاستبدادية التابعة للمنظومة الغربية تريد من المجتمعات المسلمة أن تبتلع طعم فلسفات “ما بعد الحداثة” التي بدأ يتشكل وعي غربي ضدها في الغرب نفسه، وتريد بذلك أن تنسي الشعوب المسلمة في ضرورة النضال من أجل الحداثة السياسية الحقيقية، التي تعيد تأسيس أنظمة سياسية حديثة على مبدأ التعاقد الاجتماعي، وليس على منطق الوصاية والرعاية، وعلى مبدأ الحرية والمساواة، وليس على منطق الطاعة والولاء، وعلى ربط المسؤولية بالمحاسبة وليس على التقديس والتبجيل.
فكما قال الكواكبي: “الاستبداد أعظم بلاء، يتعجل الله به الانتقام من عباده الخاملين ولا يرفعه عنهم حتى يتوبوا توبة الأنفة” فتوبة الأنفة تلك التي تحدث عنها الكواكبي هي نفسها الحداثة المفتقدة في عصرنا والمطلوب النضال من أجلها.
ومهما طال الزمن أو قصر
لابد لليل أن ينجلي ولابد للقيد أن ينكسر.
