في الحاجة إلى نهضة ثقافية… الطالب ينبه للدلالات السلبية لتنامي “المولات” وإهمال المكتبات

مصطفى الطالب


من المظاهر السلبية في مجتمعنا أن الناس يتهافتون على بناء المقاهي والمطاعم “والمولات” (وإن كان ذلك ضروري) وعلى ارتيادها (جميعا)، بحيث لم نعد نرى مكتبات أو خزانات، حتى ما تبقى من بعض المكتبات والخزانات خربت و”غمالت” (بالدارجة المغربية) بسبب انعدام الروح فيها بمعنى هجران الإنسان لها وعدم الإحساس بأهميتها، لحساب أماكن الأماكن والترفيه.
وكما يقال الشيء إذا زاد عن حده انقلب إلى ضد. أتذكر ما كان يردده جدي رحمة الله تعالى عليه المتوفى في مطلع الألفية الثالثة من مقولات حكيمة بالعامية المستوحاة من الكلام المنظوم “لسيدي القدور العلمي” (الشاعر المكناسي عبد القادر بن محمد الإدريسي العلمي : 1741-1850) والشاعر الصوفي عبد الرحمان المجذوب (1503-1568) الذي هو الآخر انتقل إلى مكناس، بحيث كان يقول: “قلة المرقة (الأكل في المنزل) وكثرة الورقة (المال) وماكلة الزنقة (الأكل خارج البيت) تما شي ما بقا (لم يتبقى شيء أو بعبارة أخرى لم تعد هناك بركة. قد يبدو هذا الكلام غريبا أو متجاوزا لتطور المجتمع ومنطقه لكن فيه الكثير من الصواب، عندما يأخذ المرء مسافة من نمط العيش المعاصر.
إذن أمام هذا الهجوم الكاسر “للحيطان” ومشاريع “الأكل” تغيب المبادرات الجادة ذات الطابع الثقافي أو العلمي التي تغير المجتمع والعقليات وتشجع على القراءة والبحث العلمي والإبداع وتنتشل الشباب وعموم المواطنين من براثين التفاهة وإهدار الوقت والمخدرات والخواء الفكري والروحي ومن سلوكيات العبث واللامسؤولية الاجتماعية والحضارية، ومن أوهام الحياة المؤدية للأزمات الفنسية والتدمير الذاتي. وهو ما يتجلى في إقبال الشباب بكثرة (500 ألف مثلا) على تلك المهرجانات الفنية التي يستهجنها المجتمع لكونها تزيد الطين بلة ولا تبني ذوقا أو فكرا، فذلك تعبير عما وصفناه (مشاكل نفسية واجتماعية وخواء فكري وروحي ومخدرات وحتى الإحساس بالعجز وضعف الإحساس بالانتماء للجغرافية الثقافية والترابية).
قد يقول قائل إن الثورة الرقمية أو الأنترنيت عوض ذلك أو الكتاب وسهلت الوصول إلى المعلومة، لكن اليوم من “يتحكمون في الأنترنيت” ينتهجون سياسة التشجيع على الرداءة والتفاهة والشعبوية والانحلال “والبرنوغرافية” وإبعاد الإنسان عما هو فكري أو ثقافي أو قيمي محض بشتى الطرق لدرجة أن المواطن “القارئ” أو “الدارس” أو “صاحب الدبلومات” يجد نفسه ينساق وراء هذا التوجه المبني على إشباع الرغبات والغرائز (ليس صدفة أن يقبل الناس في الغرب على الفلسفات أو الثقافات الشرقية الروحية التي تعمل على انتشال الإنسان من التفكير المادي الصرف ونمط عيشه). طبعا هذا لا يعني أن الثورة الرقمية شر مطلق، فهذا الكلام متجاوز.
هذا التراجع الثقافي والقيمي وعدم التشجيع على المشاريع الثقافية البانية للإنسان وللحضارة ليست مسؤولية المواطن فقط (الذي يعيش هموم البطالة وغلاء المعيشة وتدبير مسؤولية الأسرة، والإحساس بالظلم والقهر والعجز أمام مشاهد القتل والتطهير العرقي بغزة والضفة) ولكن كذلك مسؤولية الساهرين عن تدبير الشأن العام ببلادنا الذين نحوا منحى “الشعبوية” والتشجيع على المشاريع الاقتصادية (الصغرى والمتوسطة) طبعا من أجل تنمية الاقتصاد الوطني كحل ترقيعي للبطالة، ظانين أن ذلك هو الأهم، لكنهم أهملوا المشاريع الثقافية الكبرى والصغرى التي:
– تساهم في بناء الإنسان الذي نخرته اليوم “التعرية الرقمية والمعيشية” بحيث ابتعد عن الذوق السليم و نمط العيش المتوازن.
– وتساهم أيضا في الإشعاع الثقافي والعلمي الحقيقي للبلاد على المستوى الدولي (بعيدا عن البهرجة والدبلوماسية الثقافية الزائفة).
– تساهم أيضا في التنمية الاقتصادية والاجتماعية: فالمقاربة الثقافية للاقتصاد والمجتمع (إذا صح التعبير) تساهم كذلك في الرفع من الاقتصاد الوطني أيضا ليس فقط بتوفير فرص الشغل، ولكن من خلال توفير المال العام الذي يهدر أحيانا سدى (على مشاريع غير نافعة)، فالفعل الثقافي مثلا يساعد في انتشال الشباب من الانحراف والإجرام والسكر العلني والتعاطي للمخدرات المؤدية لحوادث السير وهي أمور مكلفة لميزانية الدولة (كما جاء في عدة تقارير لوزارة الصحة)، ويساهم في اللإقبال على الكتاب الذي تعيش صناعته انتكاسة كبرى، وعلى المكتبات والخزانات والمعاهد الثقافية.
بحيث كل ذلك يؤدي إلى دينامية إبداعية وعلمية ونهضة ثقافية نحن في أمس الحاجة إليها اليوم. ومشروع مغربي ثقافي كبير مثل “مسرح الرباط الكبير”، ليحقق اهافه خاصة الإشعاع الفني والثقافي على المستوى المحلي والدولي، وإقبال المواطنين عليه عوض هجرانه لفائدة “المولات” ، يحتاج إلى هذه الدينامية الثقافية التي أثرناها خاصة في صفوف الشباب الذي يعتبر الركيزة الأساسية لأي تغيير في المجتمع.
لكن هذه الدينامية أو النهضة الثقافية (التي يجب أن يساهم فيها كل القوى الحية في المجتمع) تحتاج هي الأخرى لإيمان راسخ بها نابع من رؤية حضارية وطنية بعيدة المدى تجمع بين الفعل الثقافي والفعل الاقتصادي وتأخذ بعين الاعتبار التحولات الكبرى الجارية في العالم.
والأهم أنها تحتاج لإرادة مجتمعية وسياسية يرى أثرها على الواقع عوض الخطب الرنانة المناسبتية وخطابات الاجتماعات التي تظل حبيسة أماكنها.
وهذا الأمر ينطبق على كل البلدان العربية.

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.