لال المحجوب
لا شك أن جميع المسلمين يعلمون بقول الله تعالى: ” كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ”، ولا شك أن مجال هذه الخيرية إنما حُصر بمنطوق الآية في المبادرة إلى فعل الخير والمعروف، ورفض المنكر والظلم، وذلك انطلاقا من مرجعية الوحي والإيمان، بما يعدل بوصلة المسار وغاياته.
ولو علم كل واحد منا بهذه الحقيقة والمعاني، لأدرك أن المشاركة السياسية، بما هي تقريب للخير من العامة، وإبعاد للفساد عن تدبير شؤون الأمة، هي أبلغ مجالات تفعيل هذه الخيرية، كيف لا، والسياسة كما هو معلوم، تدبر أمور الناس وتتدخل في كل تفاصيلها.
ولعل الأزمات التي يخلقها المفسدون والمتحكمون بغية إبعاد الناس عن السياسة، سواء بإفشاء ثقافة الإحباط واليأس، أو بالتخويف والترهيب، أو بإفراغ المؤسسات من أدوارها وتحويلها إلى شكليات دون معنى مما يَطرح سؤال الجدوى، كلها وسائل تحكمية تبتغي هدفا واحدا، وهو تحصين المجال السياسي من مشاركة القواعد الواعية والواسعة من أبناء الوطن في متابعة الشأن السياسي وتحديد قواعد ممارسته والعمل فيه.
أي أن ما يدفع إلى استخدام هذه الوسائل هو ما يتأتي من السياسة من ضروب السلطة والأبهة والمكانة الاجتماعية والأموال الطائلة، وأيضا لما فيها من قدرة على تحديد مصائر الخلق والتحكم في تفاصيل معاش المواطنين.
فهذه الحقيقة تجعلنا على يقين بأنه كلما ابتعد الناس عن السياسة لأحد الأسباب الثلاثة المذكورة آنفا، كلما مد المفسدون والمتحكمون أرجلهم في المجال، وأوغلوا أيديهم في المال العام، وأدخلوا أنوفهم في تفاصيل حركات وسكنات العباد، وهو ما يوصل في النهاية إلى الظلم والاستبداد، وهو كما يقول ابن خلدون مؤذن بخراب العمران.
إذن، فالوعي بمقتضى الخيرية، التي دعانا الله سبحانه وتعالى إلى الإيمان بها والعمل بمقتضاها، ينافي ترك المجال السياسي للفسدة وأرباب المصالح الخاصة وقوى التحكم والاستبداد، بل يشارك في تدبير الشأن العام، أقله بالتصويت الانتخابي المكثف على أكثر المرشحين صلاحا أو أقلهم فسادا، مرورا بمتابعة السياسات العمومية والعامة، والتعبير عن المواقف بخصوصها، دعما لما يحقق الصالح العام، ورفضا لكل ما يعاكس ثوابت الوطن أو مصالح المواطنين، جماعات وأفرادا.
والمشارك المنطلق من مرجعية الوحي، يدرك تمام الإدراك أن فعله إنما يبتغي به أولا مرضاة الله تعالى، بما يجعل البوصلة واضحة لا لبس فيها ولا غبار، فلا يتأثر حد الكفر بواجب الفعل والإصلاح، إن لم تتحقق عوائد الفعل السياسي، بالنجاح الانتخابي، أو الوصول إلى تدبير الشأن العام، أو بحصول التقدير من الجهات الأخرى الفاعلة في الوسط السياسي أو غيرها…
إن ما يحرك المؤمن بمفهوم الخيرية، هو إحساسه العميق بثقل الأمانة وجسامة المسؤولية، لاسيما وأن السياسة والمشاركة فيها والتدافع في حقلها والصبر على تبعاتها، والنضال من أجل تحسين شروط التأثير فيها، كلها عوامل ضرورية من أجل إحقاق الحقوق وضمان وصول الأمة إلى “الخيرية” بمعناها الأوسع أو الكوني، أي أن تكون ملاذا للعالم كله، نظرا لما يعانيه الأخير من ضروب الأزمات، من قبيل استئساد المادية القاتلة، وانتشار النزعة الفردانية الموحشة، وتعميم التوجه الاستهلاكي الجنوني، والانتصار للغرائزية والإرادات الحيوانية…
وبناء على كل ما سبق، يصبح سؤال الجدوى من المشاركة السياسية وتتبع الشأن العام في غير ذا محل شرعا ومصلحة، إذ أن المنطق الطبيعي يفترض طرح السؤال المعاكس أو المغاير، وهو كيف السبيل لمشاركة فعالة وتأثير ناجز على تدبير الشأن العام؟ ومن الطبيعي أن يقلي هذا السؤال بثقله على النفس الراغبة دوما في الراحة والسهل، إلا أن منطق الأمانة والمسؤولية التي يستشعرها المسلم، توجب عليه الثبات على أرض الإصلاح، والانطلاق في البحث عن جوابٍ لذلكم السؤال الهام، والاجتهاد قدر الإمكان في بلوغ منزلة الخيرية، القائم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتحقيق معاني الإيمان بالله.
