ثورية عفيف
يشهد المجتمع تصاعدا مقلقا في الجرائم المرتكبة من قبل أفراد يعانون من اضطرابات نفسية أو عقلية، مما يكشف عن إخفاقات عميقة في التعاطي مع قضية الصحة النفسية.
هذه الجرائم، التي تتجاوز كونها أحداثا فردية، تعكس أزمة تدبيرية تتمثل في إهمال ضحايا الاضطرابات النفسية، الذين يتركون دون رعاية أو متابعة، مما يفاقم من معاناتهم ويهدد السلامة الاجتماعية.
من بين هذه الحوادث، تبرز مأساة مدينة فاس في 7 شتنبر 2025، حيث أقدم شخص يعاني من اضطراب نفسي على ارتكاب جريمة محاولة قتل بحق أسرة بأكملها، لينتهي الأمر بانتحاره.
ولم تكن هذه الحادثة استثناء، إذ شهدت المدينة جرائم مشابهة، كتلك التي وقعت في 4 شتنبر حيث أودى مختل عقلي بحياة شخص آخر.
فما الذي يقود هؤلاء الأفراد إلى مثل هذه الأفعال؟ وأي ذنب اقترفوه ليهملوا في الشوارع دون دعم أو علاج؟
تشير البيانات الرسمية إلى أن الاضطرابات النفسية تمثل تحديا صحيا كبيرا في بلدنا، حيث يعاني حوالي 48.9% من السكان من اضطرابات نفسية في مرحلة ما من حياتهم، بما يشمل 26% مصابين بالاكتئاب، 9% باضطرابات القلق، و5.6% باضطرابات ما بعد الصدمة.
هذه الأرقام تكشف عن وباء صحي صامت يتفاقم تحت وطأة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، خاصة مع هذه الحكومة المبدعة في بيع الوهم؛ ومع ذلك، يعاني القطاع الصحي من قصور حاد في الاستجابة لهذا التحدي، حيث لا يتجاوز عدد الأسرة في مستشفيات الأمراض النفسية 2431 سريرا على المستوى الوطني، وهو رقم دون المعايير الدولية. كما أن عدد الأطباء النفسيين محدود للغاية، إذ يبلغ 0.78 سرير لكل 10 آلاف نسمة، مقارنة بالمعدل العالمي البالغ 4.36.
هذا النقص يمتد تأثيره إلى الشباب والمراهقين، مساهما في ارتفاع معدلات التشرد والانتحار، والتي تتفاقم بسبب عوامل مثل تعاطي المخدرات والمسكرات التي للأسف عشنا اليوم مع – حكومة تشجيع الفساد ونشر الموبقات- إبدال عقوبة ترويجها بمبالغ مالية.
لم تعد الاضطرابات النفسية مجرد قضية صحية، بل أصبحت تهديدا أمنيا مباشرا. وفي السنوات الأخيرة مع حكومة الشؤم، شهدت البلاد حوادث مروعة، كجريمة “مختل ابن أحمد” في أبريل 2025، التي أودت بحياة شخصين، وجرائم أخرى في مدن متفرقة، حيث يرتكب المرضى النفسيون في غياب الرعاية الطبية أفعال إجرامية. في فاس، تكررت الحوادث، كاعتداء مختل عقلي على مسنة وتخريب ممتلكات في غشت 2025، تلتها المجزرة المذكورة.
هذه الأفعال لا تعكس شرا متأصلا في الأفراد، بل نتيجة إهمال يجعلهم عرضة لاضطراباتهم. وعلى الرغم من أن القانون يعفي المختلين عقليا من المسؤولية الجنائية إذا ثبت الخلل أثناء الفعل، إلا أن حكومة الكفاءات تفتقر إلى آليات فعالة للعلاج أو الإيواء والرعاية.
إذا سئل المختل عن سبب تشرده، فإن الإجابة تكمن في تقصير الحكومة في معالجة أزمة الصحة النفسية، وغياب سياسة شاملة للصحة النفسية، ونقص المستشفيات المختصة في الأقاليم…
الصحة النفسية ليست مسؤولية فردية، بل واجب وطني يقتضي من الحكومة إعادة النظر في سياساتها، بما يشمل إنشاء مراكز علاج متخصصة، وتوفير أدوية مجانية ضمن التأمين الصحي الإجباري، وضمان تغطية كاملة لنفقات العلاج.
إن إهمال هذا المجال يشكل تهديدا للأمن الاجتماعي، وهو خرق للالتزامات الدستورية بحماية المواطنين.
إن استمرار الإهمال في معالجة أزمة الصحة النفسية سيؤدي إلى تكرار حوادث مثل فاس وابن أحمد وتيزنيت والفقيه بن صالح…، تاركا المرضى النفسيين يتساءلون في صمت: بأي ذنب شردنا؟ إن الإصلاح الشامل والفوري للنظام الصحي النفسي ليس خيارا، بل ضرورة ملحة لحماية المجتمع وضمان كرامة المرضى.
