رضى بنخلدون يكتب: في ذكرى “أحداث” 8 شتنبر 2021

رضى بنخلدون


تحل بنا هذه الأيام ذكرى أحداث انتخابات 8 شتنبر الأليمة.. نعم هكذا أسميها “أحداثا” وأصفها ب”الأليمة”. يوم 8 شتنبر 2021 استفاق المغاربة على مقاربة جديدة/ قديمة في تعاطي الدولة مع الاستحقاقات الانتخابية.. في ذلك اليوم رجع التاريخ بسرعة وبعنف إلى الوراء.. رجع التاريخ إلى زمن تزوير الانتخابات والتلاعب بالنتائج واستعمال المال الحرام بقوة وتدخل رجال السلطة لصالح مرشحين.. وقبل ذلك التلاعب في اللوائح الانتخابية بتشطيبات غريبة وتنقيلات أغرب.. كل ذلك للوصول للهدف المحدد: إسقاط العدالة والتنمية (باش ما كان).. ورسم خريطة تكون فيها الأحزاب الثلاثة (الأحرار، البام والاستقلال) متقدمة في المشهد في كل الجهات والأقاليم.. ويا للعجب.
8 شتنبر.. سبقته “إرهاصات” إسقاط البيجيدي، كان على رأسها صياغة قوانين انتخابية حملت معها بدعة القاسم الانتخابي الذي لا يوجد في أي نظام انتخابي عبر دول العالم.. تصوروا احتساب المقاعد على قاعدة المسجلين في اللوائح ولو لم يتوجهوا للتصويت أو حتى لو كانوا أمواتا، وليس على قاعدة المصوتين.. لماذا؟ لأن المهندس الذكي للانتخابات، لاحظ أن التصويت الكبير للبيجيدي في المدن على الخصوص يجعل هذا الحزب يفوز بمقعدين أو ثلاث بنفس الدائرة الانتخابية. والغريب ليس هو هذا الإبداع الذي هندسته وزارة الداخلية، ولكن الغريب حقا هو ذلك “الإجماع” بالبرلمان على قبول هذه الفذلكة.. باستثناء العدالة والتنمية المستهدف طبعا..
سيسجل التاريخ مع الأسف أن أحزابا محترمة قبلت هذا القاسم العجيب الهجين…
وكان من الإرهاصات أيضا، المعارضة التي كان حزب الأحرار يتزعمها وهو في الحكومة، و”الحرب” الإعلامية الضخمة ضد العثماني (هل تتذكرون مقولة “العثماني هو لي زاد علينا الساعة”)، والأموال الطائلة التي صرفت على الحملات الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي، أموال ضخمة.. جعل الكثير من المتابعين والمحللين يتساءلون عن مصدرها، وهل هي أموال وطنية أم أجنبية؟.. وهل هي أموال من المال الخاص لمجموعات اقتصادية لخصوم العدالة والتنمية وما جاورها، أم أنها أموال فيها شيء من “الغبرة”؟
المهم سالت الأموال بشكل هستيري.. كل شيء في سبيل إسقاط البيجيدي يهون.. وقد لخصت ذلك جريدة الأحداث المغربية بوضوح حين قالت: “رهان استحقاقات 8 شتنبر هو إسقاط البيجيدي”.
أربع سنوات بعد هذه “الفاجعة” سنشهد عددا من المنتخبين المحليين أو البرلمانيين يزورون سجن عكاشة بانتظام ويستقرون به بتهم الفساد الانتخابي أو إصدار شيكات بدون رصيد أو الانتماء لمجموعة “إسكوبار الصحراء” بما في ذلك رؤساء مجالس جهات وعمالات.. ولكن حصل كل ذلك بعد خراب البصرة وبعد أن وقف الجميع على حجم الجريمة والكارثة السياسية التي نجمت على إثر ما أسميناه ب “أحداث” 8 شتنبر، التي ستظل نقطة سوداء في سجل التاريخ السياسي لبلادنا.
جيد أن تتحرك النيابة العامة بعد فوات الأوان ل”كنس” بعض مخلفات 8 شتبر.. ولكن هل ينفع ذلك في تغيير الخريطة السياسية التي كانت نتيجة ما يمكن تسميته ب” صناعة التزوير”؟
أربع سنوات مرت على تلك الانتخابات ومازال البيحيدي يقول “لم نتوصل بالمحاضر” لكن القضية في واقع الأمر قضية سياسية تتجاوز تسليم المحاضر..
المؤلم في قصة أحداث 8 شتنبر هو أن البيجيدي نفسه اختلف أعضاؤه في تفسير ما وقع بين من يرى أن سبب النتائج كامن في العوامل الذاتية ومن يرى أن السبب الرئيسي يرتبط أساسا بالعوامل الخارجية.
الموضوع ببساطة هو قرار دولة جاء وبلادنا تستعد للتطبيع والدخول في علاقات “متميزة” و”دافئة” مع إسرائيل.. وفي وقت بلغ ضغط جهات أجنبية مستويات غير مسبوقة في رفض استمرار الإسلاميين في السلطة.. وقبل ذلك التبرم من حزب سياسي استمر في رئاسة الحكومة لولايتين متتاليتين بشكل غير مسبوق، فكان قرار “باراكا”.. والذي بدأت إرهاصاته مع بلوكاج 2016 وما رافقه من إشارات لا تخطئها عين المتابع الحصيف. أما العوامل الذاتية التي لا يمكن نفي تأثيرها فقد ساعدت بمقدار على السقوط ليس إلا، ولكن يجب ألا ننسى الأساس، فمهما بلغت أهمية العوامل الذاتية فإنها لا تفسر السقوط المثير من 125 إلى 13 نائب.. بزااف. لقد كان ما وقع يوم 8 شتنبر قرارا وترتيبا مبيتا اتخذت من أجله جميع الإجراءات والسيناريوهات التي لا تترك أي مجال للمفاجأة وكان المطلوب الأكبر بطبيعة الحال هو رأس البيجيدي.
أذكر أنني كنت أمازح أحد القياديين في الحزب و أقول له: علينا أن نبعث برسالة تهنئة لوزارة الداخلية، لأنها استطاعت ليس فقط إسقاطنا بهذه الطريقة بل جعلت الكرة في ملعبنا حيث بدأنا نتهم القيادة السابقة بكونها سبب الخراب الذي حل بالحزب وأن العثماني والداودي والرميد هم سبب المشكل.. أو أن خرجات ابن كيران و”أوراق الزبدة” هي السبب لما وقع.. وهكذا.. حتى ضللنا الطريق، وساعدنا على اختلاط الحقائق والتباسها في أذهان المناضلين والمواطنين.
السؤال الكبير اليوم، هو هل من رجل عاقل ليقول: يجب ألا يتكرر ما وقع يوم 8 شتنبر.. دعوا المغاربة يصوتوا بحرية، حتى نسترجع شيئا من المصداقية، وحتى نتجنب عزوفا آخر للمواطنين قد يكون هذه المرة بغير رجعة.. دعوا المغاربة يسترجعوا ثقتهم في التدافع السياسي ويجددوا إيمانهم بأن فرص التغيير نحو الأفضل ما زالت ممكنة من داخل المنظومة..
نتمنى لكل من يهمه الأمر أن يستخلص ما يجب استخلاصه من محطة 8 شتنبر الأليمة وما أفرزته من تداعيات أضرت بصورة بلادنا، خصوصا ونحن مقبلون على تطورات مهمة وحاسمة في قضية وحدتنا الترابية.. والحاجة ماسة للمصداقية أمام المنتظم الدولي…
فهل سيتم استدراك ما يمكن استدراكه لاسيما بعد الخطاب الملكي الأخير بمناسبة الذكرى 26 لعيد العرش، حيث أكد جلالته على أهمية الإعداد الجيد للانتخابات، وأعطى تعليماته السامية لوزير الداخلية من أجل فتح باب المشاورات السياسية مع مختلف الفاعلين.
سنرى…

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.