حميد بحكاك *باحث في القانون الدستوري وعلم السياسة
انعقدت القمة 25 لمنظمة شنغهاي للتعاون، يومي الأحد 31 أغسطس، والاثنين 1 سبتمبر2025، في تيانجين، شمال الصين، بحضور عدد من القادة والرؤساء، منهم الرئيس الصيني شي جين بينغ، رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس البيلاروسي لوكاشينكو، والرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان، ونائب رئيس الوزراء الباكستاني إسحاق دار، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم، والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش.
تأسيس المنظمة
منظمة شنغهاي للتعاون هي منظمة دولية حكومية دائمة أُسست في 15 يونيو 2001 في شنغهاي (جمهورية الصين الشعبية) والمؤسسون هم : جمهورية كازاخستان، وجمهورية الصين الشعبية، وجمهورية قيرغيزستان، والاتحاد الروسي، وجمهورية طاجيكستان، وجمهورية أوزبكستان. وفي عام 2002، تم توقيع ميثاق منظمة شنغهاي للتعاون في اجتماع مجلس رؤساء الدول في سانت بطرسبرغ، ودخل حيز التنفيذ في 19 سبتمبر 2003. وهو نظام أساسي يحدد أهداف المنظمة ومبادئها وهيكلها والمجالات الرئيسية لأنشطتها.
أهداف منظمة شنغهاي للتعاون:
• تعزيز الثقة المتبادلة والصداقة وحسن الجوار بين الدول الأعضاء؛
• تشجيع التعاون الفعال بين الدول الأعضاء في مجالات السياسة، التجارة، الاقتصاد، العلوم والتكنولوجيا، الثقافة، التعليم، الطاقة، النقل، السياحة، حماية البيئة، وغيرها؛
• ضمان وصون السلام والأمن والاستقرار في المنطقة بشكل مشترك؛
• تعزيز نظام سياسي واقتصادي دولي جديد يتسم بالديمقراطية والعدالة.
ويلتزم ميثاق المنظمة، بـ”روح شنغهاي”، ويستند على مبادئ منها الثقة المتبادلة، المصالح المتبادلة، المساواة، واحترام التنوع الحضاري، والسعي لتحقيق التنمية المشتركة؛ و على المستوى الخارجيً، تلتزم بعدم الانحياز، وعدم استهداف دول أو مناطق أخرى، ومبدأ الانفتاح.
تضم المنظمة هيئتين دائمتين — الأمانة العامة في بكين واللجنة التنفيذية للهيكل الإقليمي لمكافحة الإرهاب (راتس) في طشقند. يتم تعيين الأمين العام لمنظمة شنغهاي للتعاون ومدير اللجنة التنفيذية لراتس من قبل مجلس رؤساء الدول لمدة ثلاث سنوات. اللغتان الرسميتان لمنظمة شنغهاي للتعاون هما الروسية والصينية.
الوزن الجيوسياسي للمنظمة
تضم منظمة شنغهاي للتعاون، عشر دول أعضاء و16 دولة مراقبة أو شريكة، بما في ذلك أفغانستان ومنغوليا ومصر ونيبال وقطر والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وتركيا، حسبما جاء في موقع المنظمة على الإنترنت. وفي هذه القمة تم توحيد وضعَي «مراقب» و«شريك الحوار» في وضع واحد جديد هو «شريك منظمة شنغهاي للتعاون»؛ مما يفتح الباب على مزيد من التوسع في عضويتها ويقوي فرصها أكثر للعب دور أكبر اتساعاً في السياسة الاقتصادية ومواجهة الأزمات. وتعززت المنظمة بالتحاق الهند وباكستان سنة 2017، ثم إيران سنة 2021، وبلاروسيا سنة 2024.
للمنظمة ثقل ديمغرافي وازن على الصعيد الدولي إذ تمثل أكثر من 40 % من ديمغرافية العالم وهو ما يقرب من نصف سكان العالم والوزن الاقتصادي في 23.5% من الناتج المحلي الإجمالي للكوكب، بالإضافة إلى وجود ثلاث دول تمثل الثقل الرئيسي للمنظمة وهي الصين وروسيا والهند. وتمثيلية قارية تشمل آسيا وأوروبا وأفريقيا، دون أن ننسى الثقل العسكري في وجود دول نووية (الصين روسيا الهند باكستان)، والثقل السياسي والديبلوماسي بوجود دولتين عضوين دائمين في مجلس الأمن هما الصين وروسيا.
السياق الدولي لانعقاد القمة
تنعقد القمة في سياق دولي وإقليمي، مضطرب بالحروب واللايقين، فهناك الحرب الروسية الأوكرانية التي تعدت الثلاث سنوات (وروسيا عضو في المنظمة)، والهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران (وإيران عضو في المنظمة)، مع استمرار النزاع النووي الإيراني والإبادة الجماعية والتجويع ضد الفلسطينيين في غزة، والحرب التجارية التي يخوضها ترامب ضد دول العالم، في أوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية وكندا وإفريقيا، كما تنعقد القمة بعد أيام من انعقاد قمة بين بوتين وترامب على خلفية الحرب في أوكرانيا والتفاوض حول وقفها.
وتعتبر هذه القمة، حسب المراقبين بأنها الأهم منذ إنشاء منظمة شنغهاي للتعاون في عام 2001، نظرا للسياق الذي تنعقد فيه، والطموح الصيني في قيادة المحور المناهض للغرب وأمريكا، من خلال “دبلوماسية الجوار” وتجميع دول الجوار، وسيتكرس هذا الحضور الصيني من خلال الاستعراض العسكري ليوم الأربعاء 3 شتنبر احتفالًا بالذكرى الثمانين لنهاية الحرب العالمية الثانية.
لقد ساهمت سياسة ترامب في تعضيد العلاقة بين الدول الأعضاء، فالصين تُتهم من قبل الغرب بدعم روسيا في الخفاء في حربها ضد أوكرانيا، كما دفعت العقوبات الجمركية البالغة 50% التي فرضها الرئيس الأمريكي مؤخرًا على البضائع الهندية بسبب شرائها النفط الروسي، إلى تقارب بين الهند والصين وإذابة جليد الخلاف بينهما، وزيارة الهند للصين لأول مرة بعد سبع سنوات وعدم حضور القمة العام الماضي، وصرح رئيس الوزراء الهندي للرئيس الصيني خلال لقائهما الثنائي: “نحن ملتزمون بتطوير علاقاتنا القائمة على الاحترام المتبادل والثقة ومراعاة مشاعر بعضنا البعض” كما قام الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون بزيارةٍ نادرةٍ خارج بلاده لحضور هذه القمة، و كوريا الشمالية أحد الحلفاء الرئيسيين لروسيا في حربها ضد أوكرانيا.
ورأت الصحافة الغربية في هذه المنظمة ومجموعة البريكس نظاما موازيا للمنظمات الغربية أو يهمين عيلها الغرب كحلف الناتو، ومجموعة السبع، ومنظمة التجارة العالمية، وصندوق النقد الدولي.
مخرجات القمة
طرح الرئيس الصيني من خلال هذه القمة مبادرة لإدارة وحكامة عالمية تقوم على خمسة مبادئ: احترام المساواة السيادية، الالتزام بسيادة القانون الدولي، ممارسة التعددية، تعزيز نهج يركز على الإنسان، والتركيز على الإجراءات الملموسة. وتأتي هذه المبادرة بعد مجموعة من المبادرات طرحها الرئيس الصيني في مناسبات سابقة، منها مبادرة التنمية العالمية، ومبادرة الأمن العالمي، ومبادرة الحضارة العالمية.
كما أدانت المنظمة في بيانها، بشدة الإرهاب بجميع أشكاله، مؤكدة أن اعتماد المعايير المزدوجة في مكافحته أمر غير مقبول. كما اعتمدت دول المنظمة «استراتيجية التنمية» حتى عام 2035، التي تحدد المهام والسياسات ذات الأولوية والاتجاهات الرئيسية لتعزيز بين أعضائها.
خاتمة : بعد مجموعة البريكس، والاتحاد الاقتصادي الأوراسي، ورابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، ومجموعة دول أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي (سيلاك)، والاتحاد الأفريقي، وغيرها، وهي مجموعة من المنظمات والدول تُمثّل مجتمعةً 85% من البشرية، أي الأغلبية العالمية، جاءت قمة منظمة شنغاي للتعاون، لتعزز مسار دول الجنوب الكبير، في رسم معالم نظام دولي جديد متعدد الأقطاب يقطع مع الأحادية الغربية الأمريكية، التي تقوم على الهيمنة والمعايير المزدوجة، وتهديد السلم العالمي.
