محمد عصام يكتب: خرجة أخنوش والفشل المركب في السياسة والتواصل

محمد عصام


 

أمس الأربعاء تم عرض تسجيل لحوار مصور لرئيس الحكومة عزيز أخنوش، في القناتين الرسميتين الأولى والثانية، بطبيعة الحال كثير من المغاربة وأنا واحد منهم لم نكن ننتظر من هذا المرور الشيء الكثير، فالرجل عودنا منذ أن ألقت به رياح وسفن 8 شتنبر في قمرة قيادة الجهاز التنفيذي، على لوك الكلام الذي لا يفيد ولا يغني ولا يسمن من جوع.
ومرة أخرة وكما هي عادته تهرب الرئيس من صيغة الحوار المباشر، خوفا من افتضاح كُساحِه التواصلي على رؤوس الأشهاد، رغم أنه لم يعد سرا أنه يتحكم في كل تفاصيل اللقاء من اختيار محاوريه إلى وضع سقف لأسئلتهم، إذ كيف سنفسر أن يتطرق الحوار إلى مشكلة تضارب المصالح التي يتخبط في وحلها رئيس الحكومة، خصوصا ما يتعلق بمحطة تحلية مياه الدار البيضاء، دون أن يُحاصر بأسئلة مشروعة وبديهية تتعلق بكون استفادة شركته من المشروع وهو في موقع رئيس الحكومة هو تضارب صارخ للمصالح، وهو جُرم بالقانون والأخلاق والسياسة معا، واكتفى محاوراه في هذه النقطة بالذات للاستماع لنفس الأسطوانة المشروخة التي سبق لرئيس الحكومة أن “شنَّف” بها أسماع البرلمانيين في جلسة دستورية سابقة، بالقول أن الصفقة كانت قانونية وشفافة وكفى الله المؤمنين القتال.
الحوار كما العادة جاء جافا سياسيا وبلا طعم ولا رائحة ولا لون، فالمتتبع للحوار لن يعثر على شخصية رئيس الحكومة، الذي يجب أن يكون واضحا في هويته واختياراته السياسية، منافحا عنها بالحجة والبيان، ومشتبكا مع الأطروحات السياسية المعارضة بما يكفي لخلق التمايز وصناعة الفارق، بينما طغت على الحوار لغة الكلام المرسل، وحتى عندما لجأ في آخر عمر اللقاء، إلى الاستعانة بالأرقام من خلال ورقتين كانتا أمامه، فإنه مارس التدليس كعادته على المواطنين، بالاعتماد على مقارنة لا تصح لا بمنطق السياسة ولا بمنطق العلم والموضوعية، حيث تعمد المقارنة مع سنة 2020، وهي سنة استثنائية ليس في المغرب ولكن العالم برمته، فهي سنة كوفيد وتوقف عجلة الاقتصاد العالمي، ولو كان رئيس الحكومة يحترم المغاربة وذكاءهم لرجع للأرقام التي جاءت في خطاب صاحب الجلالة في افتتاح الولاية التشريعية في أكتوبر 2021، وحيث إن تلك الأرقام لن تسعفه في بناء وهم تفوق حكومته، فإنه اختار طريق التدليس والتضليل، وهي طريق لا محالة توصل إلى الباب المسدود .
رئيس الحكومة في الحوار لم يقدم جديدا في خرجته تلك، حيث عاد مرة أخرى لنفس اللغة ونفس التبريرات، فمثلا بخصوص حرمان 8 ملايين مغربي كانوا يستفيدون من راميد، كرر نفس الأسطوانة من كون رقم 18 مليون مستفيد من راميد هو رقم تراكمي وليس رقما واقعيا، وبالتالي لا وجود لـ 8 مليون حرموا من الاستفادة بعد تنزيل أمو التضامن بدلا عن راميد، لكن الواقع يقول عكس أكاذيب رئيس الحكومة حيث لا يخلو دوار ولا زقاق من أزقة وأحياء مدن المغرب من حالات كثيرة تم حرمانها من الاستفادة من حقها المكتسب بدواعي واهية.
الحوار لم يسائل رئيس الحكومة عن كثير من وعوده الانتخابية التي تبخرت في الهواء وأصبحت في خبر كان، من قبيل دخل الكرامة، وزيادة 2500 درهم لرجال التعليم، ورفع نسبة تشغيل النساء إلى 30 في المائة، وحتى جوابه عن عدم توفير مليون منصب شغل الموعودة فكان معلقا في الهواء، وربطه بشكل سريالي بموسم الزيتون الذي سيوفر الشغل لمن لا شغل له.
تحدث رئيس الحكومة عن توفير 51 ألف سكن لضحايا الزلزال في حين سبق له أنه صرح قبل أسابيع فقط بأن الذي استطاعت الحكومة المساهمة في بنائه هو فقط 46 ألف سكن، فهذا التضارب يضرب في الصميم مصداقية الحكومة، علما أنه بالصوت والصورة مازالت عشرات العائلات بالحوز وتارودانت يسكنون الخيام ومقبلون على موسم الأمطار الصعب وهم في وضعية مزرية، كما لا يزال نشطاء حراكهم يقبعون في السجون فقط لأنهم احتجوا على تهاون الحكومة في الوفاء بوعودها للساكنة المتضررة.. طبعا لا أحد من الصحفيين كان سيسأل عن هؤلاء المعتقلين.
الخلاصة أن الحوار لم يرق أن يكون حدثا سياسيا يستقطب اهتمام المتابعين والمواطنين على حد سواء، ولم يأت بجديد يمكن أن يشفع لرئيس الحكومة “هُزاله” التواصلي وبؤسه السياسي، بل أكد الحقيقة الثابتة، أن هذه الحكومة وأغلبيتها، صفر في الإنجاز، وصفر في السياسة، وصفر في التواصل.. وأن أقصى جهدها، ومنتهى همتها وكدها، أن تعلق فشلها على الحكومتين السابقتين، رغم كون رئيسها وحزبه كانا عنصرين أساسيين في تلك الحكومتين، وهو ما يتناقض مع ادعاء أخنوش من كون حصيلة حكومته الحالية هي حصيلة مشتركة لكل مكوناتها، فلو طبق هذا على نفسه واحترم ذكاء المواطنين لما تجرأ قط على التنصل من حصيلة الحكومتين اللتين كان شريكا فيهما ولما حملها كما يفعل الآن كل الأوزار والإخفاقات، ما ظهر منها وما بطن .. ولكن لله في خلقه شؤون.

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.