عبد النبي اعنيكر
لم تعد مقاطعة إسرائيل ثقافياً وأكاديمياً مجرد أصوات متناثرة أو مبادرات احتجاجية محدودة، وإنما تحولت إلى حركة متنامية تتبناها جامعات ومؤسسات ثقافية عبر العالم، لتضع هذا الكيان في خانة المنبوذ أخلاقياً وإنسانياً.
هذا التحول يجد جذوره في تراكم مشاهد التجويع الممنهج، والاضطهاد المستمر، والتقتيل العشوائي، وصولاً إلى ما يصنَّف إبادةً جماعيةً ضد الشعب الفلسطيني. إلى جانب ذلك، لم تسلم المستشفيات والمدارس من آلة البطش، فضلاً عن استهداف الصحافيين الذين دفعوا حياتهم ثمناً لكلمة حرة قاومت جبروت الاحتلال.
ورغم إنفاق إسرائيل موارد ضخمة في تلميع صورتها عبر مشاريع القوة الناعمة، فإن المقاطعة الدولية تكشف الوجه الآخر، كيان يستمر في توسيع دائرة عدوانه ليشمل جبهات إقليمية متعددة. فبعد فلسطين ولبنان وسوريا، امتد عدوانه إلى إيران والعراق وقطر وتونس، وما يزيد الأمر خطورة أن مؤشرات كثيرة توحي بأن القائمة قد تتوسع لتشمل تركيا ومصر والأردن ودولاً أخرى، في مشهد يعكس تعطشه للتوسع والهيمنة دون اعتبار للقانون الدولي أو استقرار المنطقة.
الأكثر دلالة أن هذه العزلة الأخلاقية تزامنت مع صدمة أحدثتها عملية طوفان الاقصى في 7 أكتوبر، التي تجاوزت أصداؤها الميدان لتعيد ترتيب أوراق الصراع. فقد تمكنت المقاومة الفلسطينية يومها من تحطيم صورة “الجيش الذي لا يُقهر”، وألحقت بإسرائيل هزيمة نفسية تجاوزت حدودها، وهو ما يفسر اندفاعها الهستيري نحو ارتكاب المزيد من المجازر أملاً في ترميم هيبتها المتصدعة.
إن المقاطعة الثقافية والأكاديمية لم تعد مجرد وسيلة احتجاج، وإنما أضحت جزء من معركة أوسع لعزل إسرائيل أخلاقياً، وإظهارها أمام العالم ككيان يفتقد الحد الأدنى من الشرعية الإنسانية. وفوق هذا كله، فإن تنامي هذا الوعي في الجامعات والمؤسسات البحثية والفنية الغربية يؤكد أن إسرائيل لم تعد قادرة على فرض روايتها بسهولة، وأن صورتها الدولية تتآكل كلما اتسع نطاق الوعي بالجرائم المرتكبة بحق شعب أعزل.
في ضوء ما سبق، فقد تتحولت المقاطعة إلى أفق استراتيجي يرسّخ حقيقة أن إسرائيل، مهما امتلكت من أدوات عسكرية وسياسية، لن تستطيع الهروب من واقع كونها كياناً محتلاً فاقداً للشرعية، يعيش تحت مطرقة العزلة الأخلاقية المتنامية.
