محمد عصام
ساكنة مدينة أكادير، التي يترأس مجلسها الجماعي عزيز أخنوش، رئيس الحكومة، لم تمهله إلا بضعة أيام معدودات، بعد خرجته ” الدونكتشوطية” التي وزع فيها الأكاذيب بسخاء وسفه منقطع النظير.
ساكنة أكادير نظموا وقفة أمس الأحد، حاشدة أمام المستشفى الجهوي، الحسن الثاني، الذي تحول إلى مسلخ عمومي، أو مستشفى للموت كما أسمته الشعارات المدوية التي رفعها لمتظاهرون الذين طوقتهم القوات العمومية، وهم بذلك يجيبون رئيس الحكومة، الذي أطلق ” سلوقيته” في حواره على القناتين العموميتين، وادعى أن خدمات المستشفيات العمومية في عهده ستكون بنفس جودة خدمات القطاع الخاص وربما أحسن.
فكان الجواب بغضب شعبي، قوي في بيانه، واضح في مطالبه، و أن حبل الكذب قصير، وأن ” الشارع والواقع أصدق إنباء من كل الخطب والكذب”.
لقد تحول مستشفى الحسن الثاني إلى عنوان كبير للفساد الذي ينخر هذا القطاع، وإلى رمز قبيح يجسد تردي المستشفى العمومي وانحطاطه إلى أسفل سافلين، فالداخل إليه مفقود، فإما أن يُحمل على هودج الموت أو يخرج بعاهات مستديمة جراء الإهمال والفساد الذي ينخر مفاصل المستشفى، والشهادات الحية التي وثقتها الكاميرات لمواطنين في تلك الوقفة الاحتجاجية، أقوى دليل على ذلك، ومنها الطفلة ذات الثلاث شهور التي رفعها والدها لتكون شاهدا على القهر الذي يعانيه المواطنون في ظل غياب الإرادة الحقيقية للإصلاح الصحة.
لقد ” هرس أخنوش وحزبه رؤوسنا”بأولوية قطاع الصحة حتى قبل انتخابات 2021، وجاء البرنامج الحكومي ليضع هذا القطاع ضمن الأولويات الاستراتيجة للحكومة، غير أن الحصيلة ونحن نعيش الأنفاس الأخير تقول العكس تماما.
إن أقصى ما قدمته هذه الحكومة، هو الاختباء وراء شعار الدولة الاجتماعية، وحيث إنها لا تملك حسا اجتماعيا بحكم هوية ومرجعية الحزب الذي يرأسها، فهو آخر من يمكنه الحديث عن الدولة الاجتماعية الذي أصبح خيار ورهان دولة، ولهذا قد حوَّل شعار ورهان المرحلة إلى بقرة حلوب للرأسمال الذي ليس في قلبه ولا رحمة ولا شفقة، وذلك من خلال فتح خزائن المال العام، ليلهف 9 ملايير درهم المخصصة للتغطية الصحية، وفتح شهية الاستثمار الخاص الذي أصبح ينبت كالفطر في كل مدن المملكة، وأصبحت المستشفيات مقفرة من كل شيء توزع القهر والموت بسخاء.
لا يمكن أن ننتظر من أخنوش ومن حزبه، أن يغير جلده من حزب منحاز بحكم طبيعته وهويته إلى فئة المحظوظين، ليتحول لحزب الفئات الهشة والمطحونة اجتماعيا، فمنطق الأشياء يقول ذلك، والوقائع تقول بالبينات الواضحات ذلك.
أخنوش الذي وقف في البرلمان، وبدون خجل، يهدد المغاربة، بأنه يعرف ثلثي المستثمرين في هذا البلد، – والله وحده يعرف حدود هذه المعرفة وامتداداتها وتجلياتها-، وأنه إذا استمرت المطالبة بفك الارتباط بين السياسة وتدوير المصالح، فإنه سيتم وقف الاستثمار في هذا البلد، لا يمكن أن يكون اجتماعيا البتة، ولا يمكن لحزبه أن يمتلك “الكبدة” على المطحونين من أبناء هذا الوطن.
أخنوش أيضا، الذي امتلك من الوقاحة ما جعله يعترف أمام البرلمان، بأن شركاته قد استفادت من صفقات عمومية وعلى رأسها صفقة محطة تحلية ماء الدار البيضاء المغرية جدا، لا يمكن أن يفكر خارج منطق الربح، وتطويع السياسة للمصالح الخاصة، ولن يعدم تبريرا لهذا الانحراف في السياسة والاقتصاد معا، فالرأسمال لا يمكن أن ينفك عن “منطقه”: “طالع واكل نازل واكل”.
وتجليات الانحراف في قطاع الصحة، بدأت بما تحدثنا عنه من تحويل المال العام لــ “همزة” يتقاسمها القطاع الخاص، ثم تجلت في التعديل الحكومي باستقدام وزير ليس بينه وبين القطاع إلا الخير والإحسان.
فهل بعد وقفة مستشفى الحسن الثاني، سيملك أخنوش وهو رئيس الجماعة الترابية لأكادير، الشجاعة ليفتح حوارا مع ممثلي الساكنة، وهل سيقوم بزيارة للمستشفى/ الكارثة، الذي لا تقتصر خدماته على جهة سوس بل تتخطاها لجهة كلميم واد نون أيضا، دون أن يتسلل في أوقات الصباح الباكر لأخذ الصور كما هي عادته بمرافق أخرى في أكادير.
الجواب سينتظره سكان أكادير، وإن كان سقف هذا الانتظار واطئا جدا، ففاقد الشيء لا يعطيه !!!
