خالد الصمدي
الأمر أكبر من فشل تجربة حكومية يمكن إنهاؤها أو انتهائها على وقع الاحتجاج على الفشل في تدبير قطاعات اجتماعية حساسة ليستقيم الوضع وتعود الامور الى نصابها، بل يتعلق الأمر بإفلاس نموذج كامل راهن على خيارات أسقطها ارتفاع منسوب الوعي لدى المغاربة عموما ولدى شريحة الشباب منهم على وجه الخصوص
– فقد راهن هذا النموذج على الترويج لتعبيرات متحررة من القيم واعتبرها فنية، قصد الإلهاء فأسقطها وعي الشباب بالمصيدة والمكيدة.
– وراهن على نشر ثقافة الاستهلاك المادي بفتح السوق أمام كل شيء فاصطدم بضعف القدرة الشرائية لدى الأغلبية العظمى من الأسر المغربية وارتفاع نسبة التضخم والبطالة.
– وراهن على التسويق لنموذج جديد للأسرة المغربية يقوم على مفاهيم اقتسام الممتلكات ورفع لا فتة الحقوق قبل القيم والواجبات فاصطدم بارتفاع نسبة العزوف عن الزواج وارتفاع نسبة الطلاق.
– وراهن على توسيع العرض التربوي في القطاع الخاص دون أن يضع لذلك حدودا وضوابط حين اعتبره سوقا ومجالا للمنافسة الحرة وليس خدمة عمومية تخضع لضوابط المرفق العام فاصطدم بتدهور جودة المدرسة العمومية وارتفاع نسبة الهدر المدرسي.
– وراهن على فسح المجال أمام المصحات الخاصة مع توسيع التغطية الصحية فاصطدم بإفلاس صناديق الضمان الاجتماعي نظرا لغياب الضمير المهني في تقديم الخدمات لدى البعض في ظل غياب وضعف الرقابة.
– وراهن على رفع نسبة الاستثمارات بخلق مناصب الشغل في الأوراش الكبرى فاصطدم بالفساد الناتج عن الجمع بين المال والسلطة الشيء الذي أضر بالمنافسة الشريفة وأدى الى ظهور لوبيات الاحتكار وتركيز الرأسمال في يد فئة محظوظة.
– وراهن على ضبط الشأن الديني بتوحيد الخطاب فاصطدم بتحنيط الفضاءات الدينية الرسمية والهجرة الكبرى للشباب نحو الفضاء الرقمي للبحث عن الأجوبة الدينية من مشارب مختلفة ليست بالضرورة مناسبة خيارات الدولة المغربية.
– وراهن على إعلام رسمي عمومي موجه ومقيد فاصطدم بآلاف القنوات المفتوحة على اليوتيوب، وهي تناقش الشأن العام بسقف مفتوح، والعديد منها يراهن على التجارة التي وقودها الناس والإثارة.
– وراهن على إسقاط الوسطاء الاجتماعيين الذين يحتفظون لدى الرأي العام بقدر معين من المصداقية فاصطدم بانهيار التأطير الحزبي والنقابي والمدني للشباب في الميدان.
فاستجابوا لكل نداء افتراضي وحولوا نداءاته إلى رد فعل في الواقع يصعب التكهن بتوجهاتها ومآلتها ومن يتحكم فيها.
وهكذا نكون أمام صور متعددة لإفلاس نموذج أريد له أن يحكم المجتمع المغربي فانتهى إلى الإفلاس، ولا ينقذ المجتمع منه تغيير تجربة حكومية بأخرى، بل الرهان على بناء نموذج جديد قوامه الوعي بالتحديات والتحولات الكبرى الوطنية والدولية، والاشتغال بنفس طويل على بناء الإنسان بالموازاة مع بناء العمران.
إنسان يعيش بكرامته في وطن آمن مستقر، ومداخل هذا النموذج لا تخفى على أحد؛
وقد تكون هذه الأحداث التي شهدها المغرب فرصة لخلق حوار جاد حول النموذج المغربي الذي ننشده جميعا مع تحويله إلى إجراءات تنفيذية ينخرط فيها الجميع كل من موقعه بوعي ومسؤولية، لتحصين الوطن.
