في حضرة الزيف، يُدان من يقول الحقيقة

نعيمة بويغرومني


في زمنٍ انقلبت فيه المعايير، صار المنتقد يُدان، والناهب يُصفَّق له، بينما يلتهم الغول خيرات البلاد والعباد بلا حسيب ولا رقيب.
من يحذر من الفساد يُهاجم، لا لأنه سرق، بل لأنه تجرّأ على قول ما يُخيف منظومة الفساد: أن الدولة أصبحت مأوى للنهب والخيانة.

ما الذي جرى للسياسة في هذا البلد؟
ألهذا الحد أصبح الكلام الحرُّ تهديدًا؟
ألهذا الحد صارت الحقيقة تُزعج أكثر من الفضيحة؟

أرقامٌ تتطاير كالرصاص، تُدوّي في وجه الوطن:
سبعة عشر ألف مليار من أرباح المحروقات،
وأربعة وخمسون مليارًا من صندوق التنمية القروية،
ومليارات أخرى تمضي كغيمة صيف بلا صاحب،
بينما يتفرغ البعض لتحليل كلماتٍ ونبرات صوتٍ وأوقات بثّ، بدل مواجهة الفساد الصارخ!

أي منطقٍ هذا؟
أين أنتم من فواجع المدارس والمستشفيات، ومن قوافل الشباب العاطل في المداشر؟ ومن عطش القرى وهوامش المدن ؟
هل أصبح أسهل على بعضكم أن يُهاجم أهل الإصلاح وشرفاء الوطن بدل أن يواجه من يُقرّر مصير الملايين؟

إنها سياسة التيه والتمويه: حين تُستبدل المعركة الحقيقية بمعارك وهمية، ويُترك الميدان الحقيقي للفساد ليعبث في صمت.
من يُحاول تحويل النقاش من فضح الاختلالات إلى تصفية الحسابات مع أهل الإصلاح، إنما يقدّم للفساد أكبر خدمة مجانية.
لأنّهم يُريدون أن يُطفئوا الصوت الذي لا يزال يذكّرهم بأن الإصلاح ممكن، وأن الصدق لا يُشترى.

أهل الإصلاح وشرفاء الوطن ليسوا معصومين، لكنهم أصوات صادقة في زمنٍ جافٍّ من الصدق،
يتكلمون، يوقظون الضمائر التي نامت على وسادة المصلحة،
ويُذكّرون الناس بأنّ الوطن لا يُبنى بالسكوت ولا بالصفقات، بل بالموقف، بالكلمة، وبالجرأة على قول “لا” في وجه الفساد.

إنّ من يسعى لتكميم الأفواه، وتسفيه السياسة، وتقزيم الأحزاب ومؤسسات الوساطة التي تقوم بدور التأطير، إنما يُعلن عن خوفه، لا عن قوّته،
وعن تبعيته، لا عن وطنيّته.
إنهم يكرهون من يوقظ العقول، ويخشون من يعيد للسياسة معناها النبيل….

لقد تعب الوطن من “الأسطوانة المشروخة” لغة التبرير والتلميع والتزويق،
تعب من تكرار المشاهد نفسها: فساد يتضخّم… ومسؤولون يتفرّجون.

وبالجملة، خلّوا بين أهل الإصلاح والناس، خفّفوا من تربصكم بشرفاء الوطن، وانظروا إلى أعمالهم وحب الناس لهم…
فكل كلمةٍ ينطقونها هي دفاع عن الوطن، وكل تحركٍ نابع من حبهم له.
نافسوهم بحيادية، وأبرِزوا قدراتكم ووطنيتكم عبر سياسة نظيفة، لا بسكاكين التملق والزيف.
فالصراع الحقيقي يجب أن يكون مع الفساد، لا مع من يكشفه.

وفي النهاية، سيبقى صوتُ الصدق أعلى من صخب الزيف،
وسيظل التاريخ شاهدًا على من خان وطنه بالصمت،
ومن أنقذه بالكلمة والشجاعة.

وبكلمة ، فذاك وطننا فعلى أرضك ما يستحق البذل!

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.