بوسيف: جفاف السياسات الحكومية أشد أثرا على القرى والبوادي من جفاف الطبيعة

سعادة بوسيف


تعيش المرأة القروية اليوم مفارقةً موجعة بين ماضٍ كانت فيه رمزاً للإنتاج والعطاء والاكتفاء الذاتي، وحاضرٍ صارت فيه شاهدة على تآكل خيرات أرضها واغتراب قيم مجتمعها. فقد تحوّلت القرية من فضاءٍ منتجٍ للغذاء والثقافة والهوية، إلى مجالٍ مهمّش يستنزف طاقاته في صمت، وتُصادر فيه أصوات النساء قبل موارد الأرض.
كانت المرأة القروية لعقود طويلة عماد الأسرة الريفية، تدير مواردها المحدودة بحكمة، وتنتج ما يلبّي حاجات بيتها من طعام ولباس وفراش، في دورة اقتصادية واجتماعية مغلقة تُجسّد استقلال القرية وكرامتها. غير أن التحولات الاقتصادية التي عرفها المغرب، مقرونة بضعف السياسات العمومية الموجّهة للعالم القروي، أسهمت في “مأسسة الفقر والتهميش”، حيث صار الفلاح ـ وهو عماد القرية ـ معسراً بعد أن كان ميسوراً، وغدت المرأة في قلب هذه الأزمة الاجتماعية الصامتة.
إنّ “جفاف السياسات” اليوم أشدّ من جفاف الطبيعة، إذ تُركت القرى في مواجهة العطش والتصحر ونقص البنية التحتية، دون استراتيجيات مستدامة تحفظ الإنسان قبل الأرض. ففقدت المرأة القروية دورها الإنتاجي لصالح اقتصادٍ استهلاكي يستورد كل شيء: الغذاء، اللباس، وحتى الذوق والعادات. وبدل أن تزود القرية المدن بخيراتها، أصبحت أسواقها تابعةً للمركز الحضري، خاضعةً لمنطق الاستهلاك والتبعية.
لكن الخطر لا يقف عند حدود الاقتصاد، بل يتجاوزها إلى “النسيج الثقافي والاجتماعي”. فالتقليد الأعمى لما هو حضري وغربي بات يهدد القيم الأصيلة التي شكلت لقرون هوية المجتمع القروي. لقد أُدخلت إلى القرية سلع جديدة، لكن معها دخلت أيضاً أنماط جديدة من التفكير، والاستهلاك، والعلاقات، لتُطمس تدريجياً الملامح الأصيلة للمرأة القروية المنتجة والفاعلة والمبدعة.
ووسط هذا المشهد، تتفاقم ظاهرة الهجرة غير النظامية كصرخة صامتة ضد واقع مسدود الآفاق. شبابٌ ونساءٌ يفضّلون ركوب البحر والموت المحتمل على البقاء في حياةٍ تطحنهم بالتهميش والفقر والاستلاب.
إن استعادة صوت المرأة القروية اليوم ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورة تنموية وأخلاقية. فهي حاملة لذاكرة الأرض، وركيزة التنمية المستدامة الحقيقية. إعادة الاعتبار لها تعني إعادة الاعتبار للقرية ككل، وإعادة وصل الإنسان بجذوره، والهوية بمواردها.
لقد آن الأوان لأن تتحول السياسات الموجهة للعالم القروي من سياساتٍ موسمية إلى “رؤية شمولية” تدمج المرأة القروية في صلب القرار الاقتصادي والاجتماعي، لا بوصفها مستفيدة فقط، بل فاعلة ومؤثرة. فبدونها، لا يمكن الحديث عن تنمية متوازنة، ولا عن مجتمع يحتفي بأصالته.

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.