مالية 2026… خيي: اللجوء المفرط للاستدانة مجازفة بالسيادة المالية الوطنية واستقلالية القرار الاقتصادي
محمد خيي الخمليشي
تقديرات مشروع قانون المالية 2026 تقول أن المغرب سيقترض العام المقبل 123 مليار درهم، في حين أن الحاجيات الإجمالية لتمويل ميزانية الدولة أكبر من ذلك، وتصل إلى حوالي 172 مليار درهم، والفارق بينهما، أي الحاجيات المتبقية لتمويل ميزانية الدولة بعد الاقتراض والاستدانة، هي 48,75 مليار درهم، ويشكل هذا الرقم قيمة العجز المتوقع في ميزانية 2026.
وإذا كنا سنقترض العام المقبل 123 مليار فإننا في المقابل سنخصص 64 مليار لأداء أصول الدين المستحق برسم سنة 2026، بمعنى أن أكثر من نصف المبلغ الذي سنقترضه سيذهب لأداء أقساط الديون السابقة.
قد يبدو الأمر باعثا على الدهشة، لكنه لا يتوقف عند هذا الحد، بل هناك المزيد منه عندما تعلم أننا سنسدد في السنة نفسها ما قيمته 44 مليار درهم على شكل فوائد وعمولات مستحقة عن الديون السابقة.
لنصبح أمام المعضلة التالية: إرتفاع مهول في النفقات الإجمالية للدين (أقساط + فوائد) لتصل إلى 108 مليار درهم في سنة واحدة.
عمليا، إن 88 بالمائةمن قيمة القرض الذي سنحصل عليه السنة المقبلة سنخصصه لأداء المبالغ المستحقة من القروض السابقة في سنة واحدة (أصول + فوائد).
وبعد خصم نفقات خدمة الدين، سيتبقى لنا إجمالا 15 مليار درهم، أي (12 بالمائة) فقط من قيمة القروض المتحصل عليها، لنوجّهها للاستثمار، وهذا ما يعني أننا تقريبا نستدين من أجل أداء مستحقات الديون، وهكذا تتكرر العملية على هذا المنوال كل سنة لنجد أنفسنا في دوامة مفرغة، خاصة أن نفقات “خدمة الدين” ترتفع سنويا، وترتفع معه كلفة تمويل الاقتصاد الوطني.
نظريا، ليس من الصعب فهم معادلة المديونية بالنسبة لأي بلد، إنها ببساطة تماثل مقدار الفجوة التمويلية التي يجب ملؤها لتغطية كل المصاريف والتحملات التي تقع على عاتق الدولة، لكننا هنا نتحدث عن مديونية هيكلية.
ومن الواضح أيضا اننا نتحدث عن مديونة الخزينة العامة فقط، والتي بلغت حوالي 1081 مليار سنة 2024 (الديون الداخلية والخارجية)، وهي تشكل حوالي 67% من الناتج الداخلي الخام، (أي أن الخزينة العامة للمملكة مَدينة بحوالي ثلثي ثروة المغرب)، إلا أن ديون الخزينة العامة هي في الحقيقة أقل من الدين العمومي الإجمالي الذي يطوق عنق المغرب اليوم، والذي يشمل أيضا الديون الخارجية للمؤسسات والمقاولات العمومية.
وإذا قمنا باستحضار ديون المؤسسات العمومية مضافا إليها ديون الخزينة العامة، فإن مديونية المغرب ترتفع إلى مستوى آخر يفوق 1200 مليار درهم، لتصل سنة 2023 إلى حوالي 85% من الناتج الداخلي الخام و84% سنة 2024.
وإذا علمنا أن السلطات الحكومية تعتمد أكثر فأكثر على ما يسمى ب “التمويلات المبتكرة” لتقليص نسبة العجز، والتي تقدر عائداتها في مشروع قانون المالية 2026 ب 35 مليار درهم، من خلال “بيع أصول وممتلكات الدولة” لتمويل جزء من الاحتياجات المتزايدة، (وهو نوع من الخصخصة المقنعة التي تجري وسط حالة من الإنكار..)، مع الاستمرار في نهج سياسة استثمارية توسعية لتمويل المشاريع الضخمة المهيكلة في البنية التحتية، فإن ذلك ينذر بحصول إجهاد مالي ودخول منطقة المطبات المالية والاقتصادية وتكرار تجربة التقويم الهيكلي.
تأملوا معي الرقم التالي:
تبلغ تقديرات المداخيل الضريبية العادية للسنة المقبلة 376 مليار درهم، في حين أن مجموع النفقات العادية للميزانية العامة (التسيير والأجور والتكاليف المشتركة ونفقات فوائد الديون) تبلغ 391 مليار درهم.
بمعنى أن مداخيل المغرب من مختلف أنواع الضرائب والجبايات لا تغطي حتى نفقاته الاعتيادية (عجز ب 20 مليار درهم) وهذا مؤشر مقلق جدا.
بينما تبلغ قيمة الميزانية العامة التي تتضمن جميع تحملات الدولة ونفقاتها المختلفة برسم سنة 2026 ما مقداره 761 مليار درهم. بمعنى أن المداخيل الضريبية تشكل بالكاد حوالي نصف الميزانية العامة.
قد نفهم منطق الاستدانة من أجل تمويل الاستثمار المنتج للثروة والشغل، لكن عندما تنزلق المالية العمومية إلى “لعبة الأرقام” لحجب معطيات الاستدامة المالية فإننا نكون أمام مخاطر وتهديدات جدية.
وحتى إذا أضفنا المداخيل غير الضريبية التي تقدر ب 45 مليار درهم (حصيلة عائدات مؤسسات الاحتكار وتفويت المساهمات المالية للدولة وعائدات أملاكها) فإن مجموع المداخيل العادية للدولة يرتفع ل 421 مليار (مجموع المداخيل الضريبية وغير الضريبية)، ويصبح الرصيد العادي للميزانية هو 29 مليار، وهو رصيد يتضمن حصيلة “التمويلات المبتكرة” بالطبع، ومع ذلك لا يشكل إلا اقل من 17% من الاحتياجات المالية الإجمالية لتمويل ميزانية الدولة المقدر ب 171 مليار درهم (وهو مقدار العجز الحقيقي).
قد لا يساعد السياق الدولي المضطرب، الزاخر بالمخاطر والتقلبات الاقتصادية المفاجئة، على إيجاد “توازن مالي” وموازناتي يسمح بالاستدانة في حدود معقولة ومقبولة دون خوض مغامرات غير محسوبة، وهو ما يعني أننا يجب أن نعتمد أكثر على إمكاناتنا الذاتية وحسن إدارة الموارد المتاحة وترشيد الإنفاق ونحتاج خصوصا إلى إعادة النظر في الأولويات.
وفي غياب ذلك قد نكون أمام مجازفة بالسيادة المالية الوطنية واستقلالية القرار الاقتصادي.
