محمد عصام يكتب: سياسيون من ورق

محمد عصام


 

تابع المغاربة بالصوت والصورة وبشكل مباشر، كلام رئيس فريق الجرار بمجلس النواب وهو يتهم المطاحن التي تستفيد حسب قوله من 16 مليار من الدعم العمومي، بأن منها من يطجن “الورق/ الكاغط” لإطعام المغاربة بدل الدقيق والحبوب.
هذا التصريح الخطير لم تمر عليه إلا ساعات قليلة، ليتراجع عنه صاحبه، بعد أن تسبب في موجة من الاستغراب الممزوجة بمنسوب عالٍ من الغضب والاستهجان والمطالبة بفتح تحقيق في الموضوع، وليقول عبر منشور في التواصل الاجتماعي، أنه يقصد معنى مجازيا وليس المعنى الحقيقي لطحن الورق.
ولسنا هنا في معرض بيان كيف يتم الانصراف من المعنى الحقيقي إلى المجازي وماهي دواعيه البيانية والبلاغية، فذاك شأن له أهله ومتخصصوه، لكن الذي لا يمكن أن يختلف حوله اثنان، أننا بصدد نموذج فاقع لــ “سياسي من ورق”، وهذا النموذج هو الذي يعمق حالة الاحتباس السياسي الذي يعيشه المشهد في هذا البلد، لخلوه من أهم عنصر في صناعة السياسة النبيلة، وهو عنصر المصداقية، والنزاهة الفكرية والسياسية.
السياق الذي تحدث فيه النائب المحترم بالمعنى المجازي، هو سياق انتخابي بحلول السنة النهائية لهذه الولاية الحكومية ولأغلبيتها، فربما حمل الحماس الانتخابوي وقلة النزاهة السياسية أو عدمها، السيد النائب إلى ركوب الحماسة وإطلاق اللسان “الذي بلا عظم” بدون عنوان، فوقع ربما التدخل من جهة ما، أو حتى “تجباد الأذنين” بعد الضجة التي أحدثها التصريح السابق للسيد النائب في لجنة المالية، وهو ما كان وراء تدوينته التي يتراجع فيها عن أقواله بشكل مثير للتقزز قبل الشفقة.
السياسيون من ورق، هي عملة رائجة في سوق السياسة في هذا االبلد، بل إنها أصبحت الرهان الوحيد لصانعي طبخة 8 شتنبر، وهذا الرهان بطبيعته هو رهان خاسر، وهذا الخسران بعد مرور أربع سنوات أصبح واضحا للعيان إلا لمن أبى، وتجلياته تتمظهر بجلاء في الحراك الشبابي لجيل زيد.
السياسيون من ورق، هم الذين تزعجهم الحقيقة ويخافون ظهورها وانكشافها أمام الناس، فقاموا ومنذ أربع سنوات على حرمان المغاربة من النقل المباشر لنقاشات اجتماعات اللجان البرلمانية، قبل أن يضطروا صاغرين وكارهين أيضا تحت وطأة الضغط الشبابي، إلى العودة لنقل أطوار تلك النقاشات بشكل مباشر، وفتح أبواب اللجان أمام الصحافة ورجال الإعلام، وكانوا قبل ذلك يستقوون بأغلبيتهم العددية ويمارسون بطولة من ورق.
السياسيون من ورق، هم الذين تواطأوا مع كبيرهم رئيس الحكومة على خرق الدستور و”الشتف عليه” بتعطيل المادة 100 من الدستور التي تعتبر مكسبا كبيرا من مكاسب دستور 2011، التي تقضي بحضور رئيس الحكومة لزوما مرة كل شهر لغرفتي البرلمان للإجابة عن الأسئلة المتعلقة بالسياسات العامة، وهم بذلك التعطيل يمارسون ارتدادا ونكوصا كاملي الأوصاف على مستحق ديمقراطي ودستوري لا غبار عليه، ويحوزون بوعي أو بدونه بطولة بلا مجد.
السياسيون من ورق، هم ذاك الصنف الغارق في تضارب المصالح إلى أخمص قدميه، ولا يملك ذرة حياء تمنعه أو تحول بينه وبين التبجح بما اقترفته يداه من جرم، ثم يأتي للبرلمان ليحاكي انتفاخا صولة الأسد، ويدعي بلا “حشمة وبلا حياء” أن الصفقات التي نالتها شركاته تمت بشفافية، ويزيد على ذلك أنه في حال الإصرار على ملف تضارب المصالح فإنه والذين يعرف ثلثيهم من أصحاب الأموال، سيوقفون استثماراتهم في لغة مشحونة بالتهديد لم يسبقه إليها أحد من العالمين.
السياسيون من ورق الذين ابتلانا الله بهم في هذه الأيام العصيبة، هم أدوات وظيفية يتم استعمالها لتنفيذ المهمات القذرة، كسحب قوانين محاربة الفساد وعلى رأسها مقتضيات تجريم الإثراء غير المشروع، وبواسطتها يتم تمرير قوانين تمنع المجتمع المدني من تقديم شكايات ضد المفسدين، وبها أيضا يتم التصدي لكل محاولة لربط المسؤولية بالمحاسبة، كما وقع بالالتفاف على مقترح تشكيل لجنة تقصي الحقائق في 13 مليار درهم التي لهفها” فراقشية” اللحوم. فهؤلاء يخافون من الحقيقة خوفهم من المحاسبة.
السياسيون من ورق، هم هؤلاء الكائنات التي سقطت على السياسة من علِ، بدون مرجعيات واضحة، ولا تاريخ بيِّن، ولا رؤية جامعة، هم صيادو فرص، يبيعون ولاءهم لمن يدفع أكثر، أو يضمن تموقعا أكبر، بغض النظر عن المقابل، ولو كان توظيفا مشينا، أومهمات قذرة.
السياسيون من ورق، بعضهم وجد نفسه وراء القضبان بعد أن لم تعد أفعاله قابلة للتحمل أو التستر، وبعضهم ما زال ينتظر، وما بدلوا تبديلا !!!

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.