عبد النبي اعنيكر
لم يعد غياب عزيز أخنوش عن الجلسة الدستورية المخصصة لتقديم مشروع قانون المالية لسنة 2026 مجرد حدث سياسي عابر. هذا السلوك يختزل موقفاً واضحاً من البرلمان ومن قيمة النقاش العمومي، ويكشف عن تصور استعلائي للسلطة يختصر المؤسسات في ديكور شكلي، ويعامل الدستور كوثيقة مرنة تُطوى متى اقتضت المصلحة.
الحكومة التي قُدِّمَت للناس على أساس الكفاءة والقدرة على التدبير، تحوّلت إلى عبء ثقيل. كل المؤشرات تؤكد تراجعاً مقلقاً في مستوى الحكامة، وشرخاً واسعاً بين السلطة والمواطن. غياب رئيس الحكومة عن تقديم وثيقة مالية مفصلية يعكس انفصالاً تاماً عن انتظارات المغاربة، ويؤشر على إدراك ضعيف لخطورة اللحظة الاقتصادية والاجتماعية التي تمر منها البلاد. المشروع المالي الذي يفترض أن يضع خارطة السنة هو في نهاية المطاف وثيقة تخرج دون أن يجرؤ صاحبها السياسي على شرحها أمام ممثلي الأمة.
تجربة قيادة حكومة بواجهة رجل أعمال كشفت تضارباً واضحاً في المصالح. رئيس حكومة يملك شركات عملاقة داخل قطاعات تتأثر بقرارات حكومية، ضامن لامتيازات اقتصادية لا تتناسب مع فكرة فصل التجارة عن الحكم. هذه الوضعية خلقت ارتباكاً في الثقة، إذ يصعب على المواطنين تصديق أن القانون يُفصّل لخدمتهم، لأن الصورة التي تترسخ لدى الناس أن مصالح رأس المال أصبحت هي المحدد الأول للسياسات العمومية.
الأغلبية الحكومية نفسها استُنزفت بفعل الفضائح، فعدد من منتخبيها وجدوا أنفسهم خلف القضبان، وآخرون متابعون في ملفات فساد إداري ومالي. المشهد العام يختزل رسائل واضحة أن من يمسك القرار عاجز عن تطهير صفوفه، وغير قادر على تقديم نموذج سياسي وأخلاقي يُحتذى به. هذا الشرخ الأخلاقي يضيف طبقة جديدة من اليأس فوق ما يعيشه المواطن يومياً في الأسواق والمستشفيات ومكاتب الإدارة.
السنة التشريعية الحالية تمثل آخر محطة في عمر حكومة خرجت من انتخابات 2021 التي شابها حضور كثيف للمال الانتخابي وتوجيه الناخبين. التجربة التي بدأت بأدوات النفوذ تتجه نحو نهايتها بدون حصيلة سياسية أو اقتصادية تقنع الرأي العام، بيد أن الارتفاع المتواصل للأسعار، وتدهور القدرة الشرائية، وفشل برامج الدعم الاجتماعي، كلها شواهد على أن الحكومة لم تنجح في تقديم بديل حقيقي.
جيل Z يظهر اليوم كقوة اجتماعية متحركة، يراقب ويحلل، ويرفع الصوت دون خوف. هذا الجيل لا يثق في الخطاب الرسمي، ويقف ضد الأسلوب التقليدي في إدارة الشأن العام. ظهوره بهذا الزخم يعكس انتقالاً جديداً في الوعي السياسي، واستعداداً غير مسبوق لكسر جدار الصمت. الحكومة التي تجاهلت هذا الجيل، وجدت نفسها أمام طاقة اجتماعية لا تتسامح مع التلاعب ولا مع الخطاب الخشبي.
إن تحويل البرلمان إلى فضاء صامت، خصوصاً حين يتعلق الأمر بقانون المالية، جرح عميق في الحياة الديمقراطية. الحضور أمام ممثلي الأمة واجب دستوري، وأداة للمساءلة، ومساحة لتفسير الخيارات المالية والاجتماعية. حين يختار رئيس الحكومة الابتعاد عن هذا الاستحقاق، فهو يرسل رسالة مفادها أن النقاش داخل المؤسسات فقد قيمته، وأن القرار الحقيقي يصنع في غرف مغلقة.
النتيجة واضحة، حكومة وُلدت على أساس النفوذ والمال، فشلت في إدارة الملفات الحيوية، وتركت المجتمع في مواجهة الغلاء وفقدان الثقة. نهاية ولايتها تفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول مستقبل العملية السياسية، وقدرة المؤسسات على استعادة مكانتها. اليوم، السؤال المطروح ليس عن تفاصيل الميزانية، بل عن قدرة على إعادة ترتيب العلاقة بين السلطة والمواطن، وعن إمكانية بناء نموذج سياسي يضع الإنسان قبل رأس المال.
المغاربة ينتظرون موعد الاقتراع المقبل ليقولوا كلمتهم. وإن كان الصوت قد ضعف داخل البرلمان، فإن الشارع قادر على إعادة التوازن حين تتراكم الإخفاقات وتستفحل الهوة بين الحاكمين والمحكومين.
