ودّع المغرب اليوم الاثنين 3 نونبر الجاري، واحداً من رجالات الدعوة والتربية والإصلاح، الداعية والمربي الأستاذ عبد الحي بنعبد الجليل، بعد مسيرةٍ زاخرة امتدت لعقودٍ من البذل والعطاء في سبيل الله وخدمة الناس، وتربية أجيال من العاملين الصادقين في ميادين الدعوة والعمل الاجتماعي والخيري.
لم يكن الراحل مجرد اسمٍ في سجل الدعاة، بل كان روحاً هادئة صنعت الأثر العميق، وعلّمت أجيالاً أن الدعوة ليست شعاراتٍ تُرفع، بل تربيةٌ وعملٌ وإخلاصٌ في الخفاء.
رجل من زمن البدايات
كان الفقيد رحمه الله من السابقين الأوائل الذين آمنوا بالفكرة الإسلامية وبالإصلاح والتجديد، وساهموا في بواكير العمل الإسلامي المنظم بالمغرب منذ عقود، فكان من المؤسسين الأوائل للحركة الإسلامية المعاصرة، ومن رجالاتها الذين جمعوا بين الفكر والتربية والعمل الميداني المتواصل. حمل همّ الدعوة في زمن الشدة، وصبر على طريقها يوم كانت محفوفة بالصعاب، فكان من الدعاة الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه.
مربٍّ للأجيال وصانع للرجال
اشتهر الأستاذ عبد الحي بنعبد الجليل رحمه الله بأثره التربوي العميق، إذ جرى على يديه تأسيس عدد من الجمعيات التربوية والثقافية التي خرّجت أجيالاً من الشباب العاملين لله، والذين صار كثير منهم اليوم من القيادات الدعوية والجمعوية الشابة في مختلف جهات الوطن. عاش للتربية وبها، وحرص في كلّ عمله على إعداد الخلف الذي يحمل الأمانة من بعده، مؤمناً بأنّ أعظم الصدقات الجارية هي الإنسان الصالح الذي تربّى على الإخلاص والعطاء.
مدرسة في العمل الاجتماعي والخيري
لم يكن الفقيد داعية ومربّياً فحسب، بل كان كذلك ركناً راسخاً في العمل الاجتماعي والخيري، حيث ظلّ إلى آخر أيّامه من أبرز الداعمين والمشرفين على مبادرات رعاية الأرامل والأيتام، ومساعدة الأسر المعوزة، في صمتٍ وصدقٍ ونكران ذاتٍ قلّ نظيره. كان لا يكلّ ولا يملّ، يمدّ يده إلى الضعفاء، ويواسي المحتاجين، ويرى في خدمة الناس باباً من أعظم أبواب القرب إلى الله.
القرآن رسالته الأولى وفلسطين قضيته الدائمة
وإلى جانب رفيقة دربه وشريكة مسيرته الدعوية، الأستاذة فاطمة حبشي حفظها الله تعالى، كان رحمه الله من الفاعلين الأوائل في تأسيس دور القرآن الكريم، ومؤسسات العناية به تحفيظاً وتعليماً ونشراً لقيمه. كما ظلّ قلبه معلّقاً بـقضية فلسطين التي كانت تسكن وجدانه، يدعمها قولاً وفعلاً، ويحدّث عنها الأجيال جيلاً بعد جيل، ويغرس حبّها في نفوس من ربّاهم.
ثبات في البلاء ووفاء في العهد
عانى رحمه الله المرض طويلاً، لكنّ جسده الواهن لم ينل من عزيمته الصلبة، ولا من وفائه لقضايا الدعوة والإصلاح. بقي إلى آخر لحظاته مثالاً في الصبر والرضا، وصدق التوجّه إلى الله تعالى. لم يُعرف عنه إلاّ التبسم وحسن الظنّ بالله، كأنّ روحه تسابق الألم في طريقها إلى الطمأنينة.
رابط المشاركة :
