نعيمة بويغرومني
في زمنٍ تشتدّ فيه رياح الكراهية ضد الإسلام والمسلمين، يخرج صوت من قلب نيويورك متحدّيًا المال واللوبيات والعنصرية، ليعلن للعالم بجرأة: “أنا مسلم، ولن أعتذر عن ذلك.” إنه زهران ممداني، الشاب الأمريكي ابن المهاجرين، الذي استطاع أن يفوز في انتخابات بلدية نيويورك بنسبة كبيرة من الأصوات، متفوّقًا على خصومه رغم المال السياسي الضخم الذي واجهه.
فوزه لم يكن مجرد انتصار سياسي عابر، بل صفعة رمزية على وجه الإسلاموفوبيا التي تتغذى في الغرب كلما برز مسلم ناجح، وتهتز كلما كسر أحدهم القوالب المرسومة له سلفًا.
وعليه ، ما أثار حفيظة اليمين الأمريكي أنّ ممداني لم يتردّد في انتقاد الأثرياء الكبار، ولا في فضح التواطؤ مع إسرائيل، بل قال بوضوح إن نتنياهو لو وطأت قدماه مطار نيويورك فسيعتقله.
كانت لغته جريئة، وبرنامجه اجتماعيا وإنسانيا، قريبًا من آلام الطبقات الكادحة، بعيدًا عن حسابات المصالح الضيقة، فالتفّ حوله الناس لأنهم وجدوا فيه الصدق الذي افتقدوه في ساسةٍ كثر….
ولأنه لا يحمل في جيبه أموال الشركات الكبرى، حمل بدلًا عنها إيمانه بالعدالة وطاقته الشبابية وقدرته على إقناع الناس بأن السياسة ليست حكرًا على أصحاب المال والنفوذ، بل من حق كل إنسانٍ يريد الإصلاح أن يخوضها.
لكن فوز ممداني لم يُعجب الجميع، فقد كان كافيًا أن يُعلن أنه مسلم حتى تنهال عليه حملات التشكيك والسخرية من رموز اليمين، وعلى رأسهم “دونالد ترامب” الذي وصفه بـ”المتطرف”، كما لم يتورّع عن مهاجمة عمدة لندن “صادق خان” ونعته بـ”الفاشل والضعيف” فقط لأنه مسلم. هكذا، يُظهر الخطاب السياسي في أقوى الدول الغربية وجهه الحقيقي كلما تجرّأ مسلم على النجاح.
وبكلمة ،الإسلاموفوبيا ليست خوفًا من التطرف، بل خوفًا من التفوق، هي فزع من أن ينجح المسلم في ميدانٍ أرادوه له محرّمًا، أو أن يثبت أن الإيمان لا يناقض التقدم، بل يمنحه المعنى.
وفي هذا الاطار ، لا تقتصر تلك الكراهية المقيتة على الخطاب السياسي، بل تتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية….
ولسنا نعدم الأدلة على صدق القول ، إذ في فرنسا، بلد الحريات المزعومة، تُمنع الطالبات من دخول المدارس بسبب الحجاب، وتُسن قوانين تمنع الجلباب وتضيّق على كل ما يرمز إلى الهوية الإسلامية…. وفي كندا، تمّ دهس أسرةٍ مسلمة في وضح النهار فقط لأنهم مسلمون. وفي الدنمارك والسويد تُحرق المصاحف علنًا تحت حماية الشرطة، بينما يُبرَّر ذلك بحرية التعبير…..
أما في الهند، فيُضطهد المسلمون وتُغلق المساجد وتُهاجم بيوتهم في مشهدٍ يعيد إلى الأذهان أبشع صور العنصرية.
لا ، ليست هذه حوادث متفرقة، بل ظاهرة متنامية تُغذّيها وسائل إعلامٍ تصنع الخوف من الإسلام بدل أن تصنع معرفةً به.
ومع ذلك، يواصل المسلمون في أماكن متفرقة من هذا العالم ، كتابة صفحاتٍ مشرقة من الكفاح والنجاح. فهذا صادق خان في لندن يواصل عمله بهدوء رغم التهجم، و هناك إلهان عمر ورشيدة طليب ترفعان في الكونغرس الأمريكي صوت العدالة وحق الشعوب في الكرامة، و ذاك مهاتير محمد في ماليزيا بقدّم نموذجًا للقيادة المتجذرة في قيمها، المنفتحة على العالم بعقلها. …وقد وقفت على هذه الحقيقة بأم عيني في زيارة لها قبل سنتين، حيث تدهشك ماليزيا بتقدمها الحضاري وروح الاحترام والتعايش، وتجربة حيّة للإسلام جعلتها وجهة سياحية مشرقة رغم بعد المسافة… .
هؤلاء وغيرهم، مثل نادية مراد التي حولت ألمها إلى نضالٍ عالمي ضد العنف، يثبتون أن الإسلام ليس عبئًا يُخفى، بل قوةٌ تُترجم إلى عمل وإنجاز.
وبالجملة ،إنّ فوز زهران ممداني في نيويورك ، يذكّرنا بأنّ الديمقراطية الحقيقية ليست تلك التي تُدار بالمال، بل التي تحيا بالضمير. …وهو أيضًا تذكيرٌ بأنّ العالم، رغم كل ما فيه من حقد، ما زال يملك القدرة على الإصغاء لصوتٍ صادقٍ يخرج من قلبٍ مؤمن بالعدالة.
وبالتبع ، من المغرب إلى نيويورك، تتوحّد الحاجة نفسها: إلى سياسةٍ نظيفةٍ، صادقةٍ، شجاعةٍ، تُعيد للإنسان كرامته وتمنح للشباب أملاً في التغيير…..
صحيح إنّ الإسلاموفوبيا قد ترتفع موجاتها حينًا، لكنها لا تستطيع أن تطفئ نور الإيمان في النفوس، لأن المسلم الحقيقي لا يعيش ليعتذر عن هويته، بل ليبرهن للعالم أنّ قيمه هي جوهر الإنسانية نفسها. وزهران ممداني، الشاب الذي هزم المال والنفوذ بخطابه الصادق، ليس إلا واحدًا من نماذج كثيرة تقول للعالم في رسالة ملفوفة بإيمان في الذات :
” يمكن للمسلم أن يكون ناجحًا، منصفًا، قائدًا، ومحبًّا للخير العام. فالنجاح لا يُشترى بالمال، بل يُبنى بالإيمان، وبالصدق، وبالعمل الدؤوب، وبالقدرة على الوقوف في وجه التيار دون أن تفقد بوصلتك”
إنّ شبابنا اليوم أحوج ما يكونون إلى هذه القدوة، إلى أن يؤمنوا بأنّ الطريق إلى القمة لا يبدأ من التخلي عن الهوية، بل من التمسك بها بكل فخر…. فليكن زهران ممداني، وصادق خان، وإلهان عمر، ومهاتير محمد، وكل من رفع إسم الإسلام بالعمل لا بالشعارات، مناراتٍ تضيء درب الجيل الجديد، وتذكيرًا دائمًا بأنّ الإسلام ليس تهمة، بل طاقة حضارية، كلما حاول البعض طمسها، ازدادت إشراقًا. وكما قال زهران ممداني متحدّيًا وبفخرٍ يليق بموقفه: “أنا مسلم، واشتراكي، ومهاجر، وملوّن… ولن أعتذر عن أيٍّ من هذا.”
