عبد النبي اعنيكر
ما حدث في كلميم ليست إساءة عابرة في مناسبة رسمية؛ إنما صفعة متعمدة لمنتخب شرعي ورسالة سلبية تخدش ثقة المواطنين فيمن يفترض أنهم يخدمون الدولة. امتناع والي الجهة عن مصافحة عبد الله النجامي، النائب الثاني لرئيس جماعة كلميم، خلال نشاط رسمي، فضح ذهنية تُصر على التعامل مع المنتخبين بمنطق الاستعلاء والتصغير، في وقت لم تعد فيه الساكنة تقبل بمن يستهين بصوتها وإرادتها.
تجاهل الوالي للنجامي يمثل تجاوزًا مهينًا لا يُفسَّر إلا باعتباره موقفاً عقابياً تجاه رجل يشتغل بصوت مرتفع دفاعاً عن كلميم وحقوق سكانها. فالنجامي ظل يصدح بالحقيقة، مشاريع عالقة، وبيروقراطية تُعرقل، وتكتم رسمي يحرم المواطنين من الحق في المعلومة. مقابل ذلك، لم نلمس إلا صمتًا إداريًا مربكًا وممارسات تبتعد عن روح الدولة.
النجامي، القيادي في حزب العدالة والتنمية لم يعتل المنصة سعياً وراء الأضواء، وإنما بصفته ممثلاً قانونياً لساكنة منحته ثقتها، وعندما يتجاهل الوالي مصافحته أمام الجميع، فهذا اعتداء على مؤسسة منتخبة قبل أي شيء آخر. فكل صفعة رمزية تُوجَّه إليه، تُوجَّه ضمنيًا إلى آلاف المواطنين الذين أوكلوا إليه مهمة تمثيلهم داخل الجماعة. بهذا المعنى، لم تكن الإهانة موجهة لشخصه، وإنما طالت جوهر الانتخاب ذاته.
الادعاء بأن الواقعة “عادية” يثير السخرية؛ في الواقع نحن أمام سلوك ينحدر من عقلية بائدة ترى أن المنتخبين مجرد ديكور سياسي بلا قيمة أمام القرار الإداري المتسلط. هذا المنطق لا يُسيء للنجامي وحده، وإنما يعبث بسمعة الدولة وبمبدأ الديمقراطية المحلية الذي ناضل المغاربة لإرسائه.
كيف نُفسّر هذا التجاهل الفج؟ هل لأن النجامي تجرأ على كشف تعثر المشاريع؟ أم لأن الصوت المزعج للبيروقراطية يجب أن يُحاصر؟ إذا صح هذا التأويل، فنحن أمام أزمة أخلاقية حقيقية. بدل أن تتحرك الجهة الوصية للتحقيق في أسباب التعثر، برزت عقليات اختارت “معاقبة” من تكلم. إشارة بسيطة أمام الكاميرا كانت كافية لتكشف ما خفي من مواقف.
الأدهى أنّ السلوك وقع في مناسبة وطنية بحجم الذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء؛ لحظة كان يفترض أن تبرز أسمى معاني الوحدة والمسؤولية. غير أن الوالي قرر تحويلها إلى مناسبة للتمييز بين من يصفق ومن ينتقد. أية قراءة منحرفة للواجب يمكن أن تبرر هذا الانحراف عن روح المناسبة؟
الصمت الرسمي تجاه الحادثة يزيد الشكوك حول ما إذا كانت مجرد تصرف شخصي أم جزءاً من توجه يهدف إلى تقليم أظافر المنتخبين وإرجاعهم إلى مربع الخضوع. الرسالة واضحة: “إذا طالبت بالشفافية، ستُهمَّش”. وهذه ليست مشكلة بروتوكول؛ إنها إهانة سياسية صريحة.
ومن المهم التأكيد أن النجامي لم يقف وحيدًا؛ صار رمزًا لمواجهة العبث الإداري وصوتًا صادقًا لساكنة سئمت الوعود. وإذا كان ثمن حماية الحق هو الإهانة العلنية، فهي شهادة لصالحه تُسجل في وجه من حاول إذلاله. فمن يسعى إلى خدمة المواطنين يُهاجم، ومن يتستر على الفشل يحظى بالصمت.
الأخطر أن ما وقع يُعد مؤشرًا مبكرًا على أجواء انتخابية مقلقة. فإذا كان منتخب يمارس مهامه في وضح النهار يتعرض للتجاهل والحصار الرمزي، فكيف سنضمن تكافؤ الفرص حين تدخل الأطراف كلها في السباق؟ المشهد يوحي بإمكانية إعادة إنتاج مناخ مضطرب، يُهمَّش فيه كل من يرفض الدوران في فلك الإدارة.
لقد أثبت النجامي أن المنتخب الحقيقي لا يحتاج إلى يد تُصافحه كي يواصل العمل؛ يكفيه أن يمد يده للمواطنين. أما المسؤول الذي يرفض المصافحة، فهو وحده الخاسر… خسر احترام المؤسسة، وخسر احترام الرأي العام، وأسقط صورة الدولة التي كانت تنتظر منه الرصانة.
إن ما وقع لن يمحى بسهولة. لا لأن النجامي بحث عن ضجة، وإنما لأن الوالي أصر على استعراض سلطة زائفة، وهنا يطرح سؤالا حارقا، هل نريد جهات تُدار بعقلية الشراكة والاحترام، أم بمنطق التجاهل والإقصاء؟
الجواب عند المواطنين… فهم وحدهم من يقررون من يستحق تمثيلهم، ومن فقد أهليته أمام الرأي العام.
