قربال يكتب: الفوارق المجالية والاجتماعية وشروط الإقلاع

نور الدين قربال
• بعد التشخيص الملكي في خطاب العرش 2025، وتأكيد جلالته أن المغرب يسير بسرعتين، أصبح الكل يومن بأن هناك عطبا مجاليا واجتماعيا يعيشه المغرب. السؤال الجوهري كيف نتغلب على هذا العطب، ونعطي للعدالة المجالية حقها من الاهتمام؟
• جوابا على هذا السؤال نؤكد ابتداء توسيع الدائرة المعرفية لمفهوم الترابية، لأنه ليس عبثا أن تطلق هذه المصطلحات: الجماعات الترابية، الإدارة الترابية، وغيرها من المفردات والتي تعني باختصار أن كل من يعيش على تراب معين فهو مسؤول على عمارته في إطار جدلية الإنسان والعمران.
• الحكامة الترابية
• إن المسؤولية تقتضي الجواب على السؤال التالي: كيف ننقل وضع الإنسان من كائن عاد إلى مواطن يعرف ماله وما عليه؟ لذلك تحدث الدستور عن المواطنات والمواطنين، لأن هناك ترابطا بين الاختيار الديمقراطي والمواطنة، بين الرأسمال المادي والمعنوي. بدون فهم هذا البعد الابستمولوجي الاستراتيجي فستظل دار لقمان على حالها ولو وفرنا الترسانة القانونية والموارد المالية. لأن هذا الفهم يغرس فينا المفهوم الحقيقي للحرية في إطار تحمل المسؤولية بكل إخلاص وأمانة. القاعدة الأساسية القيمية للحكامة الجيدة.
• إن الشباب مطالب اليوم بالترقي في هذا السلم العقدي من أجل مواجهة كل التحديات وخلق فرص الكدح في الحياة وعمارة الأرض بالقيم والعلم والفعل. بهذه المعاني وترجمتها إلى فعل تنموي تعود ثماره على الوطن تتأسس الثقة، وينمو الإنتاج، وندخل في عصر الأنوار الذي طالما حلمنا به، فهل نحن قادرون على هيكلة أنفسنا بأنفسنا من أجل الحركة والفعل، والتنمية البشرية والمندمجة والمستدامة، وإحداث التوازن داخل المجال والتراب والاجتماع؟
• إن المواطن المغربي يضحي بكل ما لديه إذا رأى الثمار توزع بالعدل بين الجميع، لأن السلطة أصلا توزيع عادل لقيم الديموقراطية. إننا من خلال ما ذكر نؤسس للرؤية، لإن بدونها نفقد البوصلة ونسقط في التيه والعبث. هذا ما وقع للتربية والتكوين والصحة فأصيب العقل والنسل والمال والنفس والتدين بأعطاب ملموسة. لأننا وضعنا سياسات عمومية بدون قصدية واضحة ومرجعية مؤطرة، تاركين هوة ساحقة بين العام والخاص. وعلى رأسها اللاتوازن الترابي.
• إن بناء العدالة الترابية تتطلب انخراط الجميع كل من موقعه، خاصة في العالم القروي الذي منذ الاستقلال ونحن نلوك العبارة التالية: فك العزلة على العالم القروي. فالعزلة بمفهومها المجازي تسود حضريا أما قرويا فحدث ولا حرج. يجب أن ينصب العمل على تحضير بنية تحتية تستوعب استثمارات متنوعة. مع الأخذ بعين الاعتبار إعداد ترابي وطني وجهوي منسجم مع خصوصية التراب والسياق. بناء على المفهوم الحقيقي للامركزية واللا تمركز الإداري والجهوية المتقدمة. ناهيك عن قيم التعاون والتضامن والمساعدة بين المستفيدين. وللإدارة الترابية دور فعال في السهر وتنزيل هذه الاستراتيجية. فهل نتوفر على إرادة سياسية من أجل إنجاح الرهان التنموي العادل؟ إن من الأمور التي تركز عليها الخطابات الملكية هو العمل بالنتائج. إذن كل عمل يحتاج إلى رؤية ومتابعة وتقويم وربط المسؤولية بالمحاسبة.
• إن الوعي بالمفهوم الحقيقي للترابية مسألة ثقافية تعبد الطريق لبناء العدالة المجالية والحكامة الترابية. وتبسط المراقبة والتقويم والتتبع. فلا إنجاز بدون الشعور بالمسؤولية. أنذاك تنتعش التنمية بشتى أنواعها وعلى رأسها المستدامة التي تعتمد الاجتماع والاقتصاد والبيئة. إن العمل بمصداقية وشفافية هو الضامن الحقيقي لإنجاح المشاريع وعقلنة الموارد حتى تصرف في مصالح الفئات المستهدفة.
• بهذا النفس يمكن اعتبار المغرب يشق طريقه في مسلسل الدول الصاعدة، والدخول في جيل جديد من المشاريع الجيواستراتيجية. كل هذا سينعكس على الحكامة الجبائية، وعقلنة البعد الضرائبي، فلا استثمار ولا اجتماع بدون سياسة عامة، وعمومية، وقطاعية، وترابية.
• نخلص مما سبق إلى ما يلي:
• -ضرورة التعاقد بين مؤسسات الدولة والفاعل الترابي.
• -اعتماد الترابية كتيمة مركزية في التخطيط، والتنزيل، والمتابعة، والتقويم.
• -تحرير القرار التنموي من الفردانية إلى البعد التشاركي والمؤسساتي.
• -إعطاء نتائج عملية وملموسة حتى تتوطد الثقة بين المجتمع المدني والقطاع الخاص والمؤسسات المنتخبة والسلطات العمومية.
• -وضع الإطار العام للموارد المالية والبشرية بطرق عقلانية تعتمد الشفافية والصدقية.
• -وضع خطة موضوعية للافتحاص الذي ينبه للنقائص ويطرح البدائل.
• -استحضار البعد الثقافي في الفهم وعدم الاكتفاء بالبنيات الإدارية.
• -التعاون والتضامن المتبادل بين الجميع بناء على القيم المكتسبة لدى الضمير الجمعي لدى المغاربة.
• -ضرورة دمج البعدين الاجتماعي والأيكولوجي أثناء وضع السياسيات العمومية الهادفة إلى التنمية المستدامة والمندمجة.
• -إن سياسة الجوار والقرب تقتضيان إشراك المواطنين في إعداد السياسات العمومية، وتفعيلها، وتنفيذها، وتقييمها.
• -اعتماد البعد الرقمي في كل العمليات التنموية خاصة التقييم تقليصا من إمكانية الفساد وتكريسا للمصداقية والشفافية.
• فهل يمكن تدارك ما فات، واعتماد حكامة ترابية وعدالة مجالية انطلاقا من إرادة سياسية مواطنة؟
• نخلص مما سبق أن تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية يقتضي مقاربة ترابية شمولية تنطلق من: ترتيب أولويات البنيات التحتية المتناغمة مع الخصوصية الجغرافية والمورفولوجية، والدعم الجماعي التضامني والتعاوني واستثمار كل الكفاءات، وتغيير منهجية العمل بتأهيل العقليات للجيل الجديد من المشاريع، وجعل المصالح العمومية رهن إشارة المواطنين حيث ما حلوا وارتحلوا، وتبني مقاربة مندمجة في إطار التكاملية بين التمثيلة والتشاركية وإدارة مؤهلة.

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.