في هذا الوطن الذي يحب الحياة رغم وجعها، صار الفساد واقعًا ملموسًا لا يمكن إنكاره.
لم يعد شعورًا عابرًا أو فكرة يلوّنها المزاج الشعبي، بل امتد ليشمل أموال الشعب، وكرامة المواطن، ومصداقية المؤسسات. فالواقع يقول كلمته، والوقائع تتحدث بصوت أعلى من أي خطاب رسمي.
لقد حق لكل مواطن أن يتساءل: هل الفساد مجرد انطباع عابر؟
هل هو فكرة يلوّنها المزاج الشعبي كلما اشتد الغلاء وضاقت سبل العيش؟
أم أنه واقع متجذر ينهش جسد الدولة من الداخل، حتى ترى أثره في كل مرفق عام وتشتم رائحته في كل صفقة مشبوهة؟
الجواب صارخ وواضح: الفساد ليس وهماً، بل حقيقة تُقاس بالأرقام وتُرى بالعيون.
من يظن أن مليارات المحروقات أو صفقات قليش وصفقات الأدوية و الفراقشية، وما أكثرهم! مجرد قصص مختلقة، يغلق عينيه عن الحقيقة.
لأن الواقع لا يختلق، والوقائع لا تكذب.
و بالتبع، إذا كان الفقر مجرد إحساس، والبطالة خيالًا، وغلاء الأسعار انطباعًا عابرًا، والزبونية محض زعم… فلتسمحوا لي بالقول: المغاربة يعيشون الواقع بكل ألميه، ويدفعون ثمن غياب العدالة والشفافية، حتى يئن الجيل الجديد من فقدان الثقة في السياسة وبعض وجوه الساسة.
وعليه، أن يزعم وزير العدل والحريات في البرلمان بأن الفساد وهم… فهذا استبلاد واستعباط لكل المواطنين.
وعليه، أليس الأجدر أن تُسنّ قوانين تحمي المال العام بدل الخطابات الجوفاء؟
أليس من واجب الوزراء والمسؤولين أن يضعوا الأصبع على الجرح، لا على الضحية؟
وبالجملة، لقد سحبت حكومة “الكفاءات” مشروع قانون تجريم الإثراء غير المشروع، فظل أمل الشعب يسبح في الهواء، كأن من يخافون النور يفضلون الظل.
فهل محاربة الفساد تحتاج إلى “رؤية شمولية” أم إلى إرادة حقيقية؟
إن كلمة “الشمولية” صارت اليوم الاسم الأدبي للتأجيل، والعذر الجاهز لكل عجز مغطّى البلاغة ويا للأسف!
حتى جيل اليوم، جيل “زيد” كما يسمّونه، لم يعد يبتلع الشعارات. إنه يرى بوضوح أن المال العام صار امتيازًا خاصًا، وأن صوت النقد يُخنق بدل أن يُسمع، وأن الصحافة تُستهدف حين تقترب من الحقيقة…. وأن السياسة النظيفة صارت استثناء…
هذا الجيل لا يطلب المستحيل، بل يريد فقط أن تكون الكرامة أثقل من الشعارات، والعدالة أصدق من التصريحات…. وان يتسع أفق هذا الوطن للجميع.
فهل يُحارَب الفساد بالإنكار؟ وهل يُهزَم بالصمت والخطابات المهدئة؟
بالطبع لا… الفساد لا ينهزم إلا بإرادة تشريعية شجاعة، وبضمير سياسي صادق لا يختبئ وراء الكلمات…
وما لم يتحقق ذلك، ستبقى الثقة بين المواطن وصاحب القرار جدارًا من شكّ وأسئلة متناسلة من الاتهام والاتهام المتبادل.
أما من يصرّون على أن الفساد في وطني مجرد “انطباع”، فليعلموا أن جرح الوطن لا يُشفى بالإنكار، بل بالاعتراف والعمل.
وإلى أن نستفيق من خطاب الإنكار ونقطع مع قاموس التضليل…
إلى أن نومن جميعا بأن الوطن ينهض بصدق الاقوال، ونقاء النوايا، سنظل نغار عليك يا وطني، ونئن معك وعليك!
