عبد النبي اعنيكر
نحن في اللحظات الأخيرة من عمر هذه الحكومة. حكومة وُلدت عقب تجربة العدالة والتنمية بعد انتخابات 2021 غير المفهومة وغير المنطقية، ورفعت خلالها هذه الحكومة شعار “الإنجاز” و“القطيعة مع الماضي”، لكنها سرعان ما أثبتت أن الماضي كان أقل كلفة وأخفّ ضررًا من حاضرها. الحكومة التي جعلت من طي صفحة الـPJD هدفها الأول، كلفتنا الكثير، وكلفت البلاد أكثر، سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا.
تذكّروا كيف تسبب عزيز أخنوش، رئيس الحكومة، في فراغ سياسي غير مسبوق، فراغ جعل الشارع يغلي أكثر من مرة، وكاد أن يشعل الحرائق في أكثر من مدينة.
تذكّروا الإضراب الطويل لنساء ورجال التعليم، الذي هدد بسنة بيضاء، وكشف هشاشة الحوار الاجتماعي وانعدام الرؤية.
تذكّروا الإضرابات الماراثونية لطلبة الطب التي امتدت لأكثر من تسعة أشهر، وسط صمت حكومي وغياب أي مبادرة مسؤولة.
تذكّروا أيضًا احتجاجات المترشحين لمباراة المحاماة، التي تحولت إلى فضيحة وطنية عنوانها انعدام الشفافية وانسداد الأفق.
وتذكّروا مسيرات سكان بوكماز وبني ملال ومناطق أخرى، الذين خرجوا يطالبون بالماء وبطبيب واحد وسيارة إسعاف… أبسط الحقوق التي فشلت الحكومة في ضمانها.
ولم يكن الوضع الصحي أحسن حالًا، إذ تردّت الخدمات الاستشفائية في القطاع العام بشكل غير مسبوق، وأصبحت المستشفيات تعاني من نقص فادح في الموارد البشرية والتجهيزات، فيما يضطر المواطنون إلى البحث عن علاجهم في القطاع الخاص بأسعار خيالية.
على الصعيد الاقتصادي، شهد المغرب في عهد هذه الحكومة ارتفاعًا غير مسبوق في معدلات التضخم، وتدهورًا في القدرة الشرائية للمواطنين. صار الناس يعيشون على إيقاع الغلاء اليومي، فاضطر كثيرون إلى الاستدانة لتغطية حاجاتهم الأساسية، بينما امتنع آخرون عن الاقتراض أصلًا خوفًا من العجز عن السداد. في المقابل، شهدت البلاد موجة غير مسبوقة من تسريح العمال وإفلاس المقاولات، وهي أوضاع لم تعرفها البلاد حتى في ذروة جائحة كورونا.
أما على المستوى الأخلاقي والسياسي، فقد أصبح المشهد مثيرًا للشفقة. فخلال ولاية هذه الحكومة، تم الزج بعدد من البرلمانيين والمنتخبين، خصوصًا من أحزاب الأغلبية، في قضايا فساد واختلاس للمال العام، إلى درجة يمكن القول معها إن السجن بات يضم أكبر “فريق برلماني” في البلاد.
وفي الوقت نفسه، تفشت ظاهرة تضارب المصالح والسباق نحو الغنائم، وهي ظاهرة لم تعد حكرًا على رئيس الحكومة وحده، بل أصبحت عنوانًا عامًا يميز عددا من منتخبي ووزراء الأغلبية الذين جمعوا بين السلطة والثروة في مشهد غير مسبوق من الاستغلال السياسي والمالي.
ولا يمكن نسيان تقرير البشير الراشدي حول الفساد الذي قدّر خسائر المغرب بـ50 مليار درهم سنويًا، وكيف دفع الرجل ثمن صراحته بالإبعاد والتهميش.
ثم تقرير إدريس الكراوي حول خرق شركات المحروقات لقانون المنافسة، حين قدّر الغرامة المستحقة على الشركات بنحو 9 مليارات درهم، قبل أن تُخفض إلى 1.8 مليار درهم فقط في عهد خلفه أحمد رحو، لتُغلق القضية بـ”تصالح” غامض بين الكبار، رغم أن الأرباح تجاوزت 34 مليار درهم، وربما 80 مليارًا إلى نهاية 2024.
كل ذلك جرى في ظل حكومة بلا روح سياسية، ولا رئيس كاريزمي، ولا مؤسسات حقيقية تمارس الرقابة أو المحاسبة، فيما انشغلت وزارة الثقافة والاتصال بمحاربة ما تبقى من صحافة حرة، بدل حماية حرية التعبير وكشف الفساد، أما وزير العدل فقد أقبر هو الآخر كل ما شأنه متابعة المسؤولين والمنتخبين في ملفات تحوم حولها شبهات الفساد.
فهل فهمتم الآن لماذا يريدون خنق الصحافة؟
لأنها الذاكرة الوحيدة التي ما زالت تتذكّر… وتُذكّر بما اقترفته هذه الحكومة في حق المغرب والمغاربة.
