نبيل شيخي
يأتي هذا المقال تفاعلاً مع الجدل الواسع بخصوص المادة 51 المكررة من مشروع القانون التنظيمي 53.25 المتعلق بمجلس النواب،المعروض حاليا على البرلمان، والذي يضعنا أمام مفارقة قانونية وسياسية عميقة. هذا النص، الذي يرفع ظاهرياً مقصدَ حمايةِ نزاهة الانتخابات، يقترح تجريم التشكيك في مصداقيتها عبر عقوبات سجنية ثقيلة تصل إلى خمس سنوات حبساً وغرامات تتراوح بين 50,000 و100,000 درهم. لكن هذه الخطوة، في جوهرها، تأتي، عمليا، لتفرض الصمت في اللحظة التي تلت واحدة من أكثر الانتخابات التي أثبتت فيها الشكوك صحتها. فذاكرة انتخابات 2021 ما تزال حية، وهي الانتخابات التي لم تكن فيها الشكوك حول الفساد والمس بالنزاهة مجرد “أخبار زائفة”، بل كانت واقعاً قاسياً أفضى لاحقا إلى تسجيل عدد غير مسبوق من البرلمانيين المتابعين أو المحكومين بعقوبات حبسية بكيفية تسيء إلى المؤسسة التشريعية، ومن خلال ذلك لصورة المغرب. وهو ما يؤكد ان إشكاليات المصداقية والنزاهة بمختلف مستوياتها ليست وهماً بل حقيقة واقعية وقضائية ثابتة.
إن الإشكالية الجوهرية في المادة المذكورة تتعلق بصياغتها القانونية المطاطة والخطيرة. فاستخدام مصطلحات عامة كـ”الأخبار الزائفة” أو “المس بصدقية ونزاهة الانتخابات” دون أي تعريف دقيق وحصري، هو بمثابة فتح الباب على مصراعيه للتأويلات الواسعة التي تخدم منطق الرقابة والتكييف والتأويل الواسع والفضفاض. وهنا يطرح السؤال الطبيعي؛ من يحدد ما هو “زائف”؟ هل هو التحقيق الصحفي الذي يكشف مؤشرات تلاعب لم ترق بعد إلى الإثبات القضائي؟ هل هو تحليل سياسي ينتقد أداء الإدارة؟ أم هو مجرد تعليق لمواطن يعبر فيه عن شك معقول؟ والأخطر أن النص يجرّم “المساهمة” و”المشاركة” عبر توجيه الاتهام أيضل لكل من “قام أو ساهم أو شارك بأي وسيلة”، ما يحول مجرد تفاعلات طبيعية وعفويه مع منشور مكيٌف وفق هذا النص إلى جريمة محتملة. ولذلك فإن الأمر يتعلق بانقلاب حقيقي في عبء الإثبات؛ فبدلاً من أن تكون الدولة ملزمة بإثبات الجريمة من عدمها، يصبح المواطن أو الصحفي هو الملزم بإثبات براءة نواياه وصحة شكوكه قبل أن ينطق بكلمة.
وتفاديا لكل لبس، وجب التأكيد على أن التصدي للتضليل الانتخابي يعتبر سعيا مشروعا بل مطلوبا للحفاظ على الثقة في العملية الديمقراطية والمؤسسات، خصوصا مع تضخم قدرات التأثير الرقمي عبر الذكاء الاصطناعي والحسابات الآلية وما يرتبط بها من تفكك المجال العام وتآكل الثقة، لا سيما أيضا عندما تتوفر البيئة الخصبة غير المحصنة ضد التزوير والمتواطئة معه في كثير من الأحيان. لكن وجب أن يُصاغ هذا السعي ضمن مقاربة منفتحة ومتوازنة تدمج الشفافية والمساءلة والمشاركة مع تجنب تحويل الدولة إلى مكيًفٍ للحقيقة في المجال السياسي الخلافي. غير أنّ الإشكال يتفاقم في الديمقراطيات الهجينة التي لم تُحسم فيها بعد معايير النزاهة والحياد المؤسسي على نحوٍ كافٍ، إذ تميل أحياناً إلى تبنّي مقتضيات زجرية مُبالغ فيها تركّز على معاقبة الأفراد والخطاب، بدل معالجة البنى والآليات المؤسسية والتقنية الأقدر واقعياً على تقويض النزاهة، مثل أنماط الاستهداف السياسي شديد الدقة، ونقص شفافية الإعلانات والخوارزميات، وضعف التعددية الإعلامية الحقيقية المخترقة من دوائر النفوذ والمال.
إن المغرب ليس أول من يواجه تحدي التضليل الانتخابي، حيث أن الديمقراطيات الراسخة اختارت مسارات أكثر نضجاً من القمع الجنائي. التجربة الفرنسية، على سبيل المثال (بموجب القانون رقم 2018-1202 المتعلق بمكافحة التلاعب بالمعلومات)، لم تختر سجن المشككين، بل اعتمدت آلية قضائية استعجالية تتيح خلال 48 ساعة فقط حذف أو تصحيح المحتوى الزائف الموثق والذي يُنشر بسوء نية واضح للتأثير المباشر على التصويت. وهو ما يجعل الهدف واضحا من خلال التصحيح الفوري لحماية العملية، وليس العقاب اللاحق لتخويف المواطنين، مع التمييز الدقيق في العقاب بين التضليل المتعمد والنقد المشروع. أما ألمانيا، فاختارت طريقاً مغايراً يركز على الوقاية بدلاً من العلاج بالقمع؛ فبدلاً من تجريم الكلام عن الانتخابات، حصّنت البنية الانتخابية نفسها عبر جملة من الإجراءات والتدابير الصارمة، التي تجعل التزوير شبه مستحيل. بهذا، فهي لا تحتاج لقانون يسكت الناس، لأن ثقة الناس مبنية على صلابة النظام الانتخابي نفسه، لا على الخوف من القانون.
في المقابل، تقدم لنا تجارب إقليمية، كتونس (عبر المرسوم عدد 54 لسنة 2022) ومصر (بموجب المادة 102 من قانون العقوبات)، دروساً سلبية ومقلقة. فهذه الدول اعتمدت بالفعل قوانين فضفاضة جداً لـ”مكافحة الجرائم الإلكترونية” و”الأخبار الكاذبة”، وكانت النتيجة كارثية على الحريات. لم تؤد هذه القوانين إلى انتخابات أكثر نزاهة، بل استُخدمت كأداة فعالة لتكميم أفواه الصحفيين والناشطين والمعارضين، وأصبح كل من ينتقد السلطة أو يشكك في عملية انتخابية مهدداً بالسجن. وهو ما تابعناه من خلال أحكام ثقيلة لسنوات سجنا لمجرد تدوينات على مواقع التواصل الاجتماعي تم تكييف المتابعات على أساسها. النتيجة في كلا البلدين لم تكن تعزيز الثقة، بل تعميق هوة الخوف وانكماش الفضاء العام، وهو بالضبط المصير الذي يخشى الكثيرون أن تقودنا إليه المدة 51 المكررة من القانون 53.25.
كما يلزم التأكيد من جهة أخرى أن هذه النماذج المقارنة ليست مجرد اجتهادات معزولة، بل هي انعكاس مباشر لمعايير دولية راسخة طورتها هيئات متخصصة لعقود. فلجنة البندقية التابعة لمجلس أوروبا، وهي المرجعية الأهم في القانون الدستوري، تؤكد دائماً أن عبء إثبات التزوير من عدمه يقع على عاتق السلطات، وليس على المواطنين في إطار متابعتهم للعمليات الانتخابية والتفاعل معها من خلال هيئاتهم الحزبية والحقوقية والمدنية، او عبر مختلف الوسائط الإعلامية والاجتماعية. كما حذرت منظمة الأمن والتعاون في أوروبا (OSCE)، (وتحديداً في إعلانها المشترك لسنة 2020)، بوضوح من خطورة اعتماد قوانين عامة وغامضة، لأنها تخلق “أثراً مخيفاً” (Chilling Effect) يدفع الناس إلى الصمت خوفاً حتى لو كانت لديهم ملاحظات مشروعة. أما الاتحاد الأوروبي، فيضع الشفافية الاستباقية كحل وحيد؛ فالدواء ضد الشكوك، حسب رؤيته وتوصياته، ليس القمع الجنائي، بل إتاحة المعلومات الكاملة للجمهور. وبالتالي فإن هذه المعايير ليست توصيات نظرية، بل هي خلاصة تجارب مريرة، والخروج عنها يضع المغرب في مصاف الدول التي تختار الخوف على الثقة.
إن تمرير هذا القانون بصيغته الحالية لن يؤدي، بأي حال من الأحوال، إلى انتخابات أكثر نزاهة، بل سيطلق العنان لأثر تخويف مدمر. ستفكر الصحافة الاستقصائية ألف مرة قبل فتح ملفات الفساد الانتخابي، خشية اتهامها بـ”نشر أخبار زائفة”، وسيتردد الناشطون والمراقبون المستقلون في التبليغ عن الخروقات، خوفاً من الملاحقة، كما سيتجنب المواطن العادي التعبير عن رأيه. وبالمفارقة العجيبة، فإن القانون الذي يدعي حماية النزاهة سيقدم، في الواقع، أكبر خدمة للفساد الفعلي الذي سيعمل في الظلام دون حسيب أو رقيب، بعد أن يتم إسكات كل الأعين التي تراقبه. فالثقة لا يمكن أن تُبنى بفرض الصمت؛ والصمت القسري لا يعني الرضا، بل يعني الاحتقان المكتوم.
إن البديل الحقيقي لا يكمن في المزيد من العقوبات السجنية، بل في المزيد من الشفافية والمحاسبة. وإذا أراد المغرب حماية انتخاباته حقاً، فعليه أن يجعل الشفافية سلاحه الأول، عبر تشديد الرقابة الحقيقية والصارمة على الفساد الانتخابي بكافة أشكاله، واتخاذ كافة التدابير والإجراءات المرافقة لكل مراحل العمليات الانتخابات بما يحصنها عن كل إمكانيات التزوير والمس بالنزاهة. الحل يكمن أيضا في تقوية آليات الطعن القضائي وجعلها سريعة وفعالة، ليجد المواطن قناة قانونية لملاحظاته وشكوكه. ويجب خصوصا على القانون أن يكون دقيقاً، لاستهداف التضليل المنظم والآلي، بدل التركيز المبالغ فيه على معاقبة النقد الفردي.المطلوب إذن ضبطٌ قانونيّ ذكيّ ومحدّد الغرض يركّز على الأفعال المتعمدة المُحدثة لضرر جسيم بسلامة الاقتراع خلال الفترات الحساسة، مع ضمانات قضائية سريعة، وتدرّج في الجزاءات، وتوسيع التزامات الشفافية على المنصّات والفضاء الإعلامي، حتى لا تتحول مكافحة التضليل إلى تقييد مفرط لحرية الرأي والتعبير بينما تظل أدوات التأثير التقنية المتقدمة التي يتحكم فيها عادة أباطرة الانتخابات خارج نطاق المساءلة الفعّالة.
إن ما نحن بصدده ليس نقاشاً تقنياً، بل هو تكريس واختبار حقيقي للقيم التي نريد أن تسود داخل مجتمعنا. إنه اختيار بين منطقين: منطق الثقة في المواطن والشفافية والمحاسبة، أو منطق الخوف والرقابة والصمت القسري. والتاريخ يعلمنا أن الثقة لا تُبنى أبداً بالقمع، بل تُكتسب بالانفتاح والعدالة.
