​العربية المغدورة..صرخة لاستعادة السيادة العلمية ​بين جناية السياسة.. وحتمية “التعريب” للنهوض الحضاري

بقلم سيدي اعلي سالم هبد



​ليست “العربية” مجرد مفردات نتلوها، أو قواعد نحفظها؛ إنها الوطن الاعتباري الذي نسكنه ويسكننا. وحين نتحدث عن تدريس العلوم بالعربية، فنحن لا نتحدث عن “ترجمة مصطلحات”، بل نتحدث عن تحرير العقل العربي من عقدة النقص، واستعادة الحق في أن نبدع بلغتنا، ونحلم بلغتنا، ونبتكر حلولنا العلمية بلساننا، لا بلسان مستعمرٍ قديم رحل بجنوده وبقيت لغته تحرس “التخلف” في عقولنا.
​1. البعد السياسي: الاستعمار الذي لم يرحل
​إن إقصاء العربية عن تدريس الطب والهندسة والتقنية في معظم جامعاتنا العربية ليس قراراً بيداغوجياً بريئاً، بل هو قرار سياسي بامتياز، وهو امتداد لما يسميه المفكرون بـ “الاستعمار اللغوي”.
​التبعية المقنعة: إن الدولة التي تدرس نخبها العلمية بلغة أجنبية هي دولة تعلن ضمنياً أن لغتها قاصرة، وأن عقلها عاجز. هذا يرسخ “التبعية المعرفية” للغرب، حيث يظل الطالب العربي مستهلكاً للمعرفة بلسان غيره، لا منتجاً لها بلسانه.
​الطبقية اللغوية: أدى فرض اللغات الأجنبية (الفرنسية أو الإنجليزية) في العلوم إلى خلق شرخ طبقي مخيف؛ “نخبة” تملك مفاتيح اللغة الأجنبية والثروة، و”غالبية” معزولة عن العلم الحديث لأنها لا تتقن لغة “المستعمر”، مما يضرب مبدأ العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص في الصميم.
​حقيقة مؤلمة: “إننا الأمة الوحيدة التي تفرض على أبنائها أن يتعلموا لغة أجنبية ليفهموا كيف يعمل جسدهم (الطب) أو كيف تُبنى بيوتهم (الهندسة)، وكأن العلم حكرٌ على الألسنة الأعجمية!”
​2. البعد التاريخي والتوثيقي: كذبة “العربية لغة شعر لا لغة علم”
​يروج المنهزمون حضارياً لفكرة أن العربية لا تتسع للمصطلحات العلمية الحديثة. وهذا ادعاء يدحضه التاريخ والواقع:
​الذاكرة الحية: لقرون طويلة، كانت العربية لغة العلم الأولى في العالم. في “بيت الحكمة”، تُرجمت علوم الإغريق والفرس، ثم أبدع العرب في الجبر (الخوارزمي) والبصريات (ابن الهيثم) والطب (ابن سينا). كانت جامعات أوروبا تُدرس الطب بكتب ابن سينا وباللغة العربية. فكيف للغة وسعت علوم الأولين وأسست للحضارة الحديثة أن تضيق اليوم عن استيعاب “الذكاء الاصطناعي” أو “النانو تكنولوجي”؟
​التجربة السورية: ظلت سوريا لعقود تدرس الطب باللغة العربية، وتخرج أطباء أكفاء يشهد لهم العالم، مما يثبت بالدليل القاطع أن التعريب “ممكن” و”ناجح” إذا توفرت الإرادة السياسية.
​3. الحجة العلمية والبيداغوجية: لماذا ندرس بلساننا؟
​تشير دراسات اليونسكو وعلوم التربية واللسانيات إلى حقائق لا تقبل الجدل، يتم تجاهلها سياسياً:
​الاستيعاب الأعمق: يتعلم الطالب ويستوعب المفاهيم المعقدة بشكل أسرع وأعمق بنسبة تفوق 40% عندما يدرس بـ لغته الأم. التدريس بلغة أجنبية يجعل الطالب يبذل جهداً مزدوجاً: جهداً لفك شفرة اللغة، وجهداً لفهم المعلومة العلمية، مما يقتل الإبداع ويحول التعليم إلى “تلقين”.
​نماذج الأمم الصاعدة:
​إسرائيل: أحيت لغة كانت “ميتة” (العبرية) وجعلتها لغة أبحاث نووية وزراعية وتقنية فائقة التطور.
​كوريا واليابان والصين: لم يتخلوا عن لغاتهم ليدخلوا العصر، بل “عرّبوا” (أي نقلوا للغتهم) العلوم، فتقدموا وصاروا أسياد التكنولوجيا.
​نحن: تخلينا عن لغتنا، فلا نحن صرنا فرنسيين أو إنجليز، ولا نحن بقينا عرباً منتجين للعلم.
​ قضية وجود لا مجرد لغة
​إن المعركة من أجل تعريب العلوم ليست “ترفاً فكرياً” أو “عاطفة قومية” عابرة؛ إنها معركة استقلال حقيقي. لا توجد أمة نهضت بغير لسانها.
إن إعادة العربية إلى قاعات المختبرات وكليات الطب والهندسة هو إعلان سياسي بأننا أمة تحترم ذاتها، وتثق في عقلها، وتصر على أن تساهم في الحضارة الإنسانية بصوتها الخاص، لا كـ “صدى” لأصوات الآخرين.

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.