نعيمة بويغرومني
علمتنا الحياة قبل أن تعلمنا الجامعة أن المستقبل لا يُهدى على طبق من ذهب، ولا ينزل على الأمم كهدية من السماء، بل يُصنع… بالإرادة، وبالشجاعة، وبالوعي، وبالأخلاق التي لا تُساوم ولا تهتز.
وحين نتمعّن في واقعنا، ندرك أن أولى خطوات النهضة تبدأ من إعادة بناء وعينا بما لنا وما علينا، ومن ترسيخ الأخلاق في كل سلوك وفعل.
فالوعي بالحقوق لا يكتمل إلا بالوعي بالواجبات، والوعي بالأخلاق.
فالشعوب التي تُطالب فقط دون أن تُسهم، تتحول إلى جماهير تنتظر الحلول من السماء أو من الدولة، بينما الشعوب التي توازن بين الحق والواجب، وتضع الأخلاق في صلب كل تصرف، تصنع نهضتها بيديها.
وبكلمة، التنمية ليست مسؤولية الحكومات وحدها، بل مسؤولية مجتمعٍ كامل: الطبيب الأمين، المعلم المخلص، التاجر الشريف، القاضي العادل، السياسي الصادق، والأب والأم اللذان يبنيان جيلاً يقدّر القيم ولا يتعايش مع الرداءة.
وحين يختل هذا الميزان—حق بلا واجب، أو واجب بلا حق، أو أخلاق بلا ضمير —تسقط الأمم في هاوية التراجع.
ولعل نظرة فاحصة لواقع الحال تكفي ليتأكد المرء بأن التردي ليس قدراً، بل حصيلة منظومة فساد وإفساد، وتطبيع يومي مع الرداءة، وثقافة “دبّر راسك” و”تفوت راسي وتحط”… إلى غيرها من المقولات التي تُحوّل المواطن من فاعل إلى متفرّج… يصرخ على الشاشات الافتراضية ثم يعود إلى صمته العميق. لقد أصبح الشجب الافتراضي بديلاً عن الفعل، والغضب الرقمي بديلاً عن الموقف، وكأن التفاعل وحده قادر على بناء العدالة أو إسقاط الفساد.
ومع هذا الانسحاب الكبير، ترسخت عبارات جاهزة تُخدّر الوعي العام:
“سبق الميم ترتاح”،
“سد فمك”،
“سير حويطة حويطة”.
إنها عبارات تُربّي الخوف وتقتل الشجاعة المدنية، فتتحول الأخلاق إلى سلعة، والضمير إلى بضاعة، ومؤشر التنمية إلى خطّ مائل نحو الأسفل.
ليبق السؤال الحارق معلقا… هل نقوم حقا واجبنا تجاه الوطن والمواطنين؟
هل الطبيب يمارس الطب كأمانة؟
هل المحامي يناصر المظلوم قبل مصلحته؟
هل القاضي يحكم بالعدل لا بالخوف؟
هل الأستاذ يبني عقلاً لا يملأ فراغاً؟
هل التاجر لا يغش؟
هل الصانع يتقن ما يصنع؟
وهل نُربّي أبناءنا أم نكتفي برعايتهم؟ نطعمهم ونكسوهم ونمنحهم الهواتف، ثم ندّعي أننا “ربّيناهم”، بينما الشاشات هي التي تُشكّل وعيهم، والشارع يصوغ سلوكهم، واللامبالاة تنحت مصائرهم…
و بالتبع، هل السياسي _وهو أول من ينبغي أن تُوجَّه إليه الأسئلة_ قدرٌ مفروض على رقابنا، أم أنه — في كثير من الأحيان — نتاج اختيارنا نحن: نعم، انه نتاج من صدّق الوعود الخشبية، ومن ساوم على صوته، ومن منح ثقته لـ”باك صاحبي”، ومن فضّل “الهمزة ديال دابا” على مستقبل بلاده.
وعليه، فالسياسي الرديء ليس ظاهرة سماوية… إنه صنيع اللاوعي، وصنيع المتخاذلين، وصنيع من يبيع صوته بثمن بخس ثم يشكو من سوء الحصاد.
وهو أيضاً صنيع الحياد السلبي للسلطة؛ ذاك الحياد الذي يجعل الناس يبتلعون الظلم بصمت، ويخشون مساءلة من يجب أن يُساءَل، ويتعاملون مع السياسة كما لو أنها أرض محرّمة.
فالسياسي حين يفشل، إنما يعكس فشل الذين وضعوه هناك. لأن السياسة مرآة المجتمع… تعلو حين يرتفع، وتنحط حين يتهاون.
وبالجملة، إن الخيط الناظم لكل مظاهر التردي التي تحيط بنا، وتحثم على أنفسنا… هو التفريط في “الأخلاق”… ذلك الميزان الذي إن اختلّ اختلت معه بقية الموازين…
فالأمم لا تنهض بالقوانين وحدها، ولا تُبنى بالمشاريع الكبرى فقط، بل تقوم على خلقٍ راسخ يوجّه السلوك قبل أن تنظّمه التشريعات.
فالأخلاق ليست رفاهية، بل هي العمود الفقري الذي يضبط حركتنا اليومية، ويمنع انحدار المجتمع نحو الغش والفساد وتحويل النجاح إلى حيلة.
وحين ينهار هذا الميزان، ينهار كل شيء: الثقة، العدالة، هيبة الدولة، قيمة العمل، وكرامة الإنسان.
وبدونه لا طبيب يؤدي الأمانة، ولا قاضٍ يقيم الحق، ولا معلّم يبني المستقبل، ولا سياسي يصدق في القول والفعل.
لا، لست هنا لأُلقي دروساً أو أوزّع خطباً…
أنا امرأة تقلقها الحقيقة، وتقض مضجعها فجوة الوعي، وترفض أن تكتفي بدور المتفرجة الصامتة أمام واقع يبتلع الأمل…
إني-كغيري من الغيورين على هذا الوطن- أبحث عن شرارة توقظ الهمم، وتجمع العقول لتعمل معاً، لأن معركة الوعي لا تُستعاد بالأماني ولا تُفرض بالقوانين… بل تُصنع بتكاتف الجميع حين يقرر كل منا أن يتحمل مسؤوليته بصدق وشجاعة.
ولله ذر أجدادنا الذين قالوا: “خير ما يورثه الإنسان لأبنائه أخلاقه قبل ماله…”.
وفي الختام، ليعلم الجميع أن المستقبل لا يُهدى…بل يُصنع.
وإن لم نصنعه نحن، فسيصنعه غيرنا على حساب أحلامنا.
فصناعة الغد لا تبدأ بالمشاريع فقط ولا تنتهي بالبرامج فحسب…
إنها تبدأ من الأخلاق: ضمير يقظ لا يقبل الغش، صدق لا يساوم، أمانة لا تُباع، وروح تعرف أن النهضة لا تُشَيَّد على أرض متشققة القيم.
إنها لعمري، ليست تفصيلاً مكمّلاً لمسار التنمية، بل هي أساسه وشرط نجاحه. وحين يستقيم هذا الميزان، تستقيم معه السياسة، والإدارة، والمدرسة، والشارع… ويستقيم الوطن.
فلنقف جميعاً، و ليتحمل كلٌّ منا نصيبه من المسؤولية.
لنرفع الصوت، ونُصلح السلوك قبل أن نطالب بإصلاح المؤسسات، ولنجعل من كل يوم فرصة لإحياء قيمة، ومن كل موقف تجديداً لميثاق الأخلاق الذي تُبنى به الأمم. ولله ذر الشاعر حين قال:
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت
فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا
فالأحلام وحدها لا تبني الأوطان…
الذي يبنيها هو إنسانٌ مستقيم، وضمير حي، وأخلاق لا تهتز. وشهادة صادقة وسط صمت المتواطئين وكذب الكذابين وما أكثرهم!
وحين تتكاتف هذه الثلاثة… يصبح الغد المشرق ممكناً، ويصبح المستقبل صنع أيدينا.
وإلى ذلكم الحين، لله ذر الصادقين في زمن الكذب والكذابين!
