بقلم سارة بصراوي
في كل محطة من محطات تاريخ المغرب، كان التعليم يعكس مستوى النخبة التي تتولى تدبير الشأن العام. واليوم، حين يخرج وزير التعليم بتصريحات يلقي فيها العبء على الأسر، ويدعوها للبحث عن “المدرسة الممتازة” و”الأستاذ الجيد” وتجنب “الأستاذ المكفس”، ندرك حجم التراجع الذي أصاب الفكر السياسي لدى بعض المسؤولين، وحجم الهوة التي تفصل بين من كان يصنع السياسات، ومن يكتفي بالتعليق عليها.
ولكي نفهم هذا الهبوط، يكفي ان نستحضر شخصية وطنية استثنائية مثل الراحل عبد الهادي بوطالب، الوزير السابق للتربية الوطنية، والمفكر الذي جمع بين أصالة القرويين وحداثة الجامعة، وبين الفقه والفكر الدستوري، وبين التجربة الوطنية والاحتكاك العميق بانظمة التعليم في العالم الاسلامي والدولي.
بوطالب: رجل دولة كان يحمل رؤية لا أعذارا
عبد الهادي بوطالب حفظ كتاب الله وهو في التاسعة، وتدرج في جامعة القرويين، ثم اصبح استاذا للقانون الدستوري والعلاقات الدولية، قبل ان يتحمل مسؤوليات حكومية ودبلوماسية رفيعة.
عرف التعليم من الداخل، واحتك به في الميدان، ثم من موقع القرار، ثم من موقع دولي داخل منظمة الايسيسكو.
لم يكن يتهرب من المسؤولية، ولم يكن يبحث عن شماعات جاهزة، بل كان يصوغ رؤية متقدمة لمغرب يريد ان يلتحق بركب العصر.
وفي محاضرته الافتتاحية بكلية الآداب بالجديدة سنة 2004، وضع خطوطا عميقة لإصلاح التعليم، ما تزال صالحة اليوم:
– الإصلاح يجب ان يهيئ المواطن المغربي للتفاعل مع عالم واحد سريع التحول.
– التعليم يجب أن يمكن الطفل من الاندماج في العولمة لا من الانغلاق داخل الحدود.
– التجارب الناجحة يجب الاستفادة منها بلا عقد ولا تردد.
– تكوين الطفل يبدأ مبكرا، ويحتاج الى محيط محفز وداعم.
– هذه كانت رؤية رجل دولة، لا رؤية مسؤول يكتفي بسطحية التعليق.
وزراء اليوم: خطاب يعلق الأخطاء على الأسر
في المقابل، نسمع اليوم خطابا يحمل الأسرة مسؤولية البحث عن مدرسة جيدة، وكأن المدرسة العمومية مجرد إحتمال، وليست التزاما دستوريا للدولة !!!!
خطاب يلتف على أصل المشكلة، ولا يطرح السؤال الحقيقي:
–> هل وفرت الدولة البنية التحتية الضرورية؟
–> هل ضمنت جودة التكوين؟
–> هل طورت البرامج والمناهج؟
–> هل وفرت مدرسة عادلة وآمنة لكل ابنائها؟
بدل هذه الاسئلة، نسمع خطابا يلقي العبء على المواطن، وكأن التعليم خدمة تجارية، لا حقا جماعيا.
هذا ليس خطاب رجل دولة، بل خطاب من يتهرب من واجبه.
الفرق بين من يبني ومن يعلق!!
بين بوطالب وبعض الوزراء اليوم فرق جوهري:
الأول كان يرى التعليم رافعة للنهضة.
الثاني يراه ملفا إداريا يدار بالتصريحات.
الأول كان يعيد صياغة المشروع التربوي المغربي.
الثاني يعيد تدوير واجترار الأعذار.
الاول كان يوسع أفق المواطن.
الثاني يضيقه ويطلب منه البحث عما يجب أن توفره الدولة.
ختاما وبقلوب تعتصر حسرة، أؤكد أن أزمة التعليم اليوم ليست أزمة موارد فقط، بل أزمة مستوى سياسي، وأزمة غياب رجال دولة يحملون مشروعا حقيقيا.
هي أزمة رؤية قصيرة، تتعامل مع التعليم بمنطق اليومي، لا بمنطق المستقبل.
وحين نقارن عبد الهادي بوطالب بما نراه اليوم، نفهم أن المغرب لا ينقصه الفكر ولا التجربة، بل ينقصه أن يرتقي مستوى المسؤولية إلى مقام الدولة، لا إلى مستوى التصريحات اليومية.
التعليم قضية تنمية ونهضة ووطن برمته.
