نعيمة بويغرومني
تزامناً مع النقاش الدائر حول مشروع “تثمين العمل المنزلي”، يعود الجدل حول طبيعة أدوار المرأة داخل البيت وطبيعة العلاقة الزوجية برمتها. وفي خضم هذا النقاش، يصبح لزاما العودة إلى الأساس الذي أراده الله للأسرة: سَكَن، ورحمة، ومودة… لا مؤسسة تُحتسب فيها الجهود وتُقيَّم فيها العواطف.
انطلاقاً من هذا الأصل القرآني الذي يحدد روح الأسرة، يفرض السؤال نفسه: هل يمكن لميثاق يقوم على المودة أن ينحطّ إلى تبادل خدمات؟ قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾. فاللباس لا يسأل عن أجر، ولا يطالب بمقابل لدفئه. وهذا ما يجعل الزواج علاقة تُبنى على العطاء المتبادل، لا على المحاسبة، وتُدار بالاحتواء والتكامل، لا بمنطق “أديتُ… فأدّي” أو “ها جطي ها جطك”. ومتى علت هذه الحسابات، انفرط عقد الميثاق الغليظ وتصدعت جدران الأسرة الآمنة….
وبالتبع، إذا كان الزواج في جوهره علاقة إنسانية سامية، فمن الظلم أن نُنزِّل أدوار المرأة المنزلية إلى مستوى الوظيفة القابلة للتثمين.
لأن المرأة ببساطة ليست عاملة خدمات، ولا مستخدمة تؤدي مهاماً مقابل أجر. إن ما تقدمه داخل البيت ليس “جهداً منزلياً” فحسب، بل عاطفة وبذلاً وتربية وصناعة لاستقرار نفسي لا يمكن أن يُشترى.
وكل محاولة لحصر هذا الدور في تعويض مالي هي إهانة لقيمته قبل أن تكون دعماً له.
“فلتخلوا بيننا كنساء وبين أسرنا، نرعاها بحب، ونسكب من عرقنا عليها مسكاً يفوح عطراً لا يوفي أجره إلا رب العباد. فلتخلوا بيننا وبين فطرتنا وفطرة جداتنا النقية، ولا تصطنعوا لها تثميناً يقتطع من أجرة ازواجنا عنوة لا عن طيب خاطر”
وعليه، نحن نرفض تحويل البيوت إلى مقاولات تحت ذريعة الدفاع عن حقوقنا.
أي نعم، على الدولة مسؤولية حماية المرأة وتمكينها، لكن ليس عبر آليات تُحوِّل الزوج إلى “مشغّل” والزوجة إلى “أجيرة”. فالتنزيل الحرفي لفكرة “تثمين العمل المنزلي” داخل مؤسسة الزواج يُحدث خلطاً خطيراً بين العلاقة الأسرية المبنية على الرحمة وبين منطق السوق المبني على المعاملة. وهذا الخلط لا يخدم لا الأسرة ولا المرأة.
ومن هذا المنطلق_ و لنفترض جدلا ان هذا الطرح هو الخيار الوحيد _ من حقنا أن نتساءل: كيف سنقيس العمل المنزلي للزوجة؟ هل سنستدعي مفتش الشغل ليتفقد المطبخ؟ أم سنطلب من الجيران الحضور للشهادة كلما قامت الزوجة بكنس أو طبخ؟ وماذا لو مرضت الزوجة أو سافر الزوجان، أو اختار الزوج مساعدة زوجته عن حب ومودة؟ هل سنسقط قيمة الأجر، أم نصفه، أم نحرمه تماماً؟ أسئلة نطرحها بمرارة، ولا ننتظر جوابا كافيا وشافيا، لأن البيت – في منظورنا – ليس فضاءً للقياس والمراقبة، بل فضاء ثقة ورحمة. وكل محاولة لإدخال “معايير شغل” إلى داخل الأسرة ليست سوى تبسيط ساذج لعلاقة أعقد وأرقى وأعمق. فالمرأة لا تعمل داخل بيتها لتنال راتباً، والرجل لا يساعد زوجته ليُسقط تعويضاً، إنهما يفعلان ذلك لأن الزواج مودة وتعاون… لا نظام محاسباتي دقيق.
وبالتبع، المودة يا سادة، حين تسود، تتلاشى الحسابات…. والبيت الذي تُغرس فيه الرحمة يصبح أكثر قدرة على تجاوز الخلافات، وأقدر على الصمود أمام العواصف. وهذا الجوهر الإنساني هو ما يُراد اليوم — من حيث لا يشعر البعض — تقويضه واستبداله بمعادلات جامدة.
وفي هذا الإطار، من حقنا أن نستغرب : هل في زمن الغلاء وارتفاع مستوى المعيشة، وتناقص فرص الشباب كما النساء، نضيف عائقاً جديداً أمام الزواج؟ والحال أن لدينا عزوفاً خطيراً عن الزواج، وحالات طلاق غير مسبوقة، وبين هذه وتلك ملايين العوانس.
هل همنا الاكبر اليوم هو معالجة هذه الأزمات الموجعة، أم “تثمين عمل المرأة المنزلية” على حساب الزوج المنهك؟
إذا كانت الدولة عازمة حقاً على تثمين عمل المرأة المنزلية_ إكراما لها، واعترافا بدورها العظيم مشكورة_. فلتتكفل هي بذلك مباشرة، وتخلق لها فرصاً للشغل عن بعد تناسب مستواها الدراسي، وتطلق برامج محو الأمية لفائدتها، وتقدم لها منحاً باسم المواطنة، وتؤمّن لها الحماية الصحية والاجتماعية….
هكذا تتحقق العدالة للمرأة وهكذا يتم التمكين لها ، وهكذا تتفتح أسارير هذه المرأة ومعها أسرتها الصغيرة، دون أن يُضاف العبء على الزوج.
وبكلمة، الدولة مسؤولة عن التمكين و التقدير والدعم، لا الزوج.
صحيح أن هناك حالات تتعرض فيها الزوجة للظلم أو الإهمال من الزوج، لكن الحل لا يكون أبداً بتحويل الحب والعطاء داخل البيت إلى أجر مالي. إنما يكون عبر آليات حقوقية واضحة: مراكز استشارة قانونية، متابعة اجتماعية، برامج حماية الأسرة، ودعم المرأة في التعليم والعمل والمشاركة المجتمعية.
وفي ختام هذا النقاش، يبقى سؤال جوهري مطروحا بلا جواب: ماذا يبقى من الأسرة إذا تحوّل الحب إلى خدمة، والعاطفة إلى مهمة، والتكامل إلى تبادل اقتصادي؟
ماذا يبقى من الأسرة إن طغت لغة “الفاتورة” و”الحساب الضيق” على لغة “الاحترام والواجب”؟
إن الأمة التي تكرّم المرأة حقاً هي التي ترفع من قدرها بالعلم والأمان والدعم، لا التي تختزلها في خانة الموظفة داخل بيتها. فحين تُقايَض المودة… تموت، وإذا ماتت المودة، ماتت الأسرة، وإذا ماتت الأسرة، سقط المجتمع بأكمله.
وبالجملة، الأسرة ليست شركة، والزوجة ليست أجيرة، والزوج ليس مشغّلاً، والزواج ليس صفقة… بل رسالة وميثاق ورحمة.
فهل سنسمح بأن تتحوّل هذه الرسالة الإلهية إلى مجرد دفتر حساب؟
سؤال سأترك للمستقبل فرصة تحرير جوابه….
