اعنيكر يكتب: نواب العدالة والتنمية… شوكة في حلق حكومة أخنوش التي سقطت شرعيتها يوم ولادتها

عبد النبي اعنيكر


منذ اللحظة الأولى لانتخابات 8 شتنبر 2021، كانت رائحة العبث تفوح من خلف الستار. انتخابات غير مقايسة ولا منطقية، جرى تفصيل نتائجها على مقاس جهات معيّنة، بينما تعرّض حزب العدالة والتنمية لتعسف وشطط غير مسبوقين، فقط لأن جهات نافذة أرادت إزاحة صوت مزعج يرفض الخضوع والتماهي مع منظومة المال والسلطة. لكن المفارقة الصادمة أن الحزب، رغم كل أدوات التحجيم الممنهجة، عاد بثلاثة عشر نائباً، ليشكّلوا اليوم أكبر إزعاج سياسي لحكومة أخنوش، حكومة وُلدت بلا شرعية شعبية، وتعيش منذ يومها الأول تحت حماية أدوات النفوذ أكثر مما تستند إلى ثقة المواطنين.

ثلاثة عشر نائباً فقط، لكنهم هزّوا قبة البرلمان بطريقة أربكت وزراء حكومة تُسيّرها المصالح قبل البرامج. فهؤلاء النواب لم يأتوا للزينة، ولا لالتقاط الصور، بل جاؤوا مسلحين بملفات ثقيلة كشفت تضارب المصالح وتغوّل الفساد وتبديد المال العام عبر صفقات مشبوهة، بعضها ظل سنوات حبيس الكواليس، إلى أن فجّره نواب العدالة والتنمية في لحظة سياسية فارقة.

من فضائح صفقات قطاع التعليم، إلى الاختلالات الكبيرة في تدبير ملف المحروقات، إلى الأسئلة الحارقة حول تضارب المصالح في الاستثمارات الكبرى، مروراً بكشف الاختلالات المهولة في تدبير المال العام داخل جماعات وقطاعات وزارية، كان نواب الحزب في كل مرة يحرجون الحكومة حدّ الارتباك. حتى أن بعض الوزراء وجدوا أنفسهم في وضع دفاعي، يتهربون من الأجوبة أو يكتفون بخطابات خشبية تُخفي أكثر مما تُظهر.

حكومة أخنوش، التي لم تحظَ أصلاً بثقة الشعب، زادت سياساتها اللاشعبية الطين بلّة. حكومة أغنت الغني، وعمّقت جراح الفقير، وتركت الطبقة الوسطى تتآكل تحت ضغط الأسعار الخيالية، فيما استمرت الامتيازات في التدفق على نفس اللوبيات التي صنعت هندسة 8 شتنبر. وكلما ارتفع منسوب الغضب الشعبي، اشتدت محاولات الحكومة لشيطنة الأصوات المعارضة، لكنها لم تنجح في خفض منسوب الحقيقة الذي يرفعه نواب العدالة والتنمية داخل البرلمان.

الأدهى أن الحكومة، بدل تقديم حلول، ظلت تهرول وراء التبريرات، بينما كان 13 نائباً فقط يقودون معركة سياسية شرسة، يضعون الأصبع على الجرح، ويفضحون الخلفيات غير النظيفة لكثير من القرارات الاقتصادية التي أثقلت كاهل المواطنين. وهنا تبرز المفارقة الكبرى: المعارضة الأقوى ليست تلك التي تمتلك الأرقام، بل تلك التي تمتلك المصداقية والشجاعة… وهما شيئان فقدتهما الأغلبية الحكومية منذ زمن.

العدالة والتنمية، الذي حاولت انتخابات 8 شتنبر دفنه، عاد أكثر حضوراً وإزعاجاً مما كان يتوقع خصومه. فعبر مبادراته الرقابية، وأسئلته المزلزلة، وفتحِه ملفات تضارب المصالح والفساد وتبديد المال العام، تحوّل الحزب إلى شوكة حادة في حلق حكومة لم تعد قادرة على إخفاء عجزها، ولا على تبرير سياستها التي يتمنّى الشعب لو رحلت اليوم قبل الغد.

هكذا، وفي وقت تستمر حكومة أخنوش في فقدان آخر ما تبقى من رصيدها المتآكل، يرسّخ نواب العدالة والتنمية موقعهم كقوة سياسية مزعجة، صوتاً أعلى من عددهم، ودوراً أكبر من حجمهم العددي، ورسالة مفادها: مهما كانت الهندسة الانتخابية، فإن صوت الشعب الحقيقي لا يموت.

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.