بقلم سيدي اعلي سالم هبد .. باحث في القانون
يشكل تضارب المصالح إشكالية عميقة في أي نظام ديمقراطي، وتُعتبر في السياق المغربي من أهم التحديات التي تهدد ثقة المواطنين في المؤسسة التشريعية.
يمكن تحليل هذه الظاهرة من زاوية سياسية-فكرية وقانونية على النحو التالي:
1. تضارب المصالح: الخطر المُمَنهَج
تضارب المصالح (أو تنازع المصالح) هو الوضع الذي يجد فيه المسؤول العام، ومنهم البرلماني، نفسه أمام تعارض بين المصلحة العامة التي يجب أن يمثلها، ومصالحه الخاصة (مادية كانت أو معنوية) أو مصالح أقربائه أو من يمثلهم.
أ. التجليات في الأداء البرلماني:
التشريع على “المقاس”: وهو الخطر الأكبر. عندما يشارك برلماني يمتلك استثمارات أو شركات في قطاع معين في مناقشة وتمرير قانون أو تعديل ضريبي يمنح امتيازات مباشرة أو غير مباشرة لشركاته أو لقطاعه الخاص، فهذا تضارب مصالح صارخ.
الرقابة الموجهة: استغلال البرلماني لآليات الرقابة (كالأسئلة الشفوية ولجان التحقيق) لتحقيق مكاسب شخصية أو للضغط على منافسين له في قطاعه الخاص، بدلاً من خدمة المصلحة العامة.
الاستفادة من المعلومات: استغلال المعلومات الرسمية السرية أو غير المعلنة التي يحصل عليها البرلماني بحكم موقعه (كتفاصيل مشروع قانون المالية قبل إقراره، أو خطط حكومية مستقبلية) لتحقيق مكاسب مالية شخصية.
ب. الإطار القانوني والمؤسساتي (في المغرب):
الفصل 36 من الدستور المغربي ينص على وجوب منع تنازع المصالح. كما أن التشريع المغربي حاول تأطير هذا المفهوم، لكن النتيجة تشير إلى وجود تحديات في التنزيل:
القانون الجنائي: يعاقب على تحصيل الموظفين العموميين لمنافع غير قانونية في العقود والصفقات.
الهيئة الوطنية للنزاهة: تدعو باستمرار إلى الإسراع بإصدار قانون خاص وشامل لتضارب المصالح لتحديد المفهوم بوضوح وتجريم وضعياته بشكل فعال، خاصة وأن الممارسات الحالية ما زالت تعتمد على نصوص عامة أو غير كافية.
عبثية البرلمان: النتيجة الحتمية لتضارب المصالح
مصطلح “عبثية البرلمان” يعكس الإحباط الشعبي تجاه المؤسسة التشريعية، وهو ليس وصفاً قانونياً بقدر ما هو وصف للواقع السياسي الناجم عن تضارب المصالح، والذي يؤدي إلى:
أ. تدهور جودة التشريع:
عندما يغلب التشريع على “المقاس” مصالح فئة محددة على حساب العدالة الاجتماعية أو التنمية المستدامة، يصبح القانون نفسه أداة لإضفاء الشرعية على الفساد أو الريع، مما يجعل عمل البرلمان غير ذي جدوى في تحقيق العدالة.
ب. فقدان الثقة وشرعية التمثيل:
الهدف الأسمى للمؤسسة البرلمانية هو تمثيل الإرادة الشعبية. عندما يرى المواطن أن البرلمانيين يغلبون مصالحهم الذاتية، تتآكل الثقة في العملية الديمقراطية برمتها:
الشعور باليأس: ينشأ لدى المواطن اعتقاد بأن “كل شيء تم ترتيبه مسبقاً”، وأن الصوت الانتخابي لا يغير شيئاً.
تغذية الريع: تضارب المصالح يكرس سيطرة لوبيات المال والأعمال على القرار السياسي، مما يجعل السياسة في نظر البعض مجرد “تجارة” أو “طريق للثراء غير المشروع”، وهذا يُفقد العمل البرلماني جوهره الرقابي والإصلاحي.
ج. ضعف الأداء الرقابي:
يؤدي تضارب المصالح داخل الأغلبية الحكومية إلى تراجع في مساءلة الحكومة والتحقيق في الفساد، خوفاً من “فتح صناديق أخرى” قد تطال الجميع. هذا يمنع البرلمان من القيام بدوره الدستوري في محاسبة السلطة التنفيذية، وبالتالي يصبح وجوده شكلياً.
التحدي الفكري والعملي
الموضوع السياسي والفكري في هذا الشأن يتمحور حول نقطة مركزية: البرلمان لا يمكن أن يكون أداة لمكافحة الفساد وتخليق الحياة العامة إذا كان هو نفسه مسرحاً لتضارب المصالح.
إن معالجة هذه “العبثية” تتطلب:
الإسراع في التشريع: إصدار قانون شامل ومُلزم وفعال بشأن تضارب المصالح .
تفعيل المحاسبة: تطبيق القانون على الجميع دون استثناء، وربط المسؤولية بالمحاسبة بقوة أكبر.
تعزيز دور المؤسسات الرقابية: تفعيل أدوات الهيئة الوطنية للنزاهة والمجلس الأعلى للحسابات.
