محمد يتيم
خلال الأشغال التمهيدية لإعداد الدستور الجديد في اللجنة التي كانت تشتغل لاقتراح التعديلات التي يتعين إدخالها في الدستور الجديد -وكنت عضوا فيها ممثلا لنقابة الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب – نقل إلينا المستشار الملكي رسالة تسجل من ماء الذهب على هامش ما أثير من ملاحظات حول صيغة “الملك شخص مقدس لا تنتهك حرمته” التي كانت في الدستور السابق.
كان المستشار الملكي “قد أبلغ الملك على ما يبدو، ببعض الملاحظات التي ارتبطت بلفظ “القداسة ” في الدستور السابق، فما كان من جلالة الملك محمد السادس إلا أن قال حسب ما أبلغ به المستشار الملكي أعضاء اللجنة رسالة من ذهب، تعبر عن إدراك ووعي عميق بالفرق بين اللفظين في المتن اللغوي العربي وفي الثقافة الإسلامية. لقد أبلغ المستشار الملكي لأعضاء اللجنة عن جلالة الملك قوله “القداسة لله والعصمة للأنبياء وإنما أنا ملك مواطن”، وهو ما فتح الباب لإقرار الصيغة الجديدة في المادة من الدستور التي أصبحت على الشكل التالي في الدستور الحالي: “شخص الملك لا تنتهك حرمته، وللملك واجب التوقير والاحترام”.
ودون شك فإن كل ما هو دون ما يرتبط بالمجال الخاص للملك والملكية، فإنه قابل للنقاش والمراجعة، وكل تدبير يرجع للإدارة وتقديرها، فليس له “قدسية” أو “إلزام”.
في هذا السياق نطرح بعض الملاحظات حول مادار من نقاش برلماني خلال جلسة المصادقة على مشروع القانون التنظيمي رقم 53.25 القاضي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب، في إطار جلسة تشريعية امتدت لحوالي ثلاث ساعات، وتطرح على الأخص قضية “القاسم الانتخابي” الذي تفتقت عنه “عبقرية” السلطة التي تدير الانتخابات وتحضر لها تشريعيا وتنظيميا وتدبيريا، وتثار معها عدة تساؤلات منها:
هل القاسم الانتخابي ديمقراطي؟ هل هذا القاسم الذي تم به ترتيب انتخابات 2021 مقدس؟
هل المشرفين على الانتخابات من مسؤولين على مختلف المستويات “منزهون” لا يتصور في حقهم الغلط ولا الانحياز، وأنه تبعا لذلك لا تجوز المناقشة والاختلاف مع تدبير الإدارة ومقارباتها؟
وهل يمكن لأي كان أن يزعم أن الانتخابات المغربية هي من أنظف الانتخابات في الكون بحيث لا تستطيع أن تبزها في نزاهتها ومصداقيتها، نظيرتها الأمريكية والفرنسية والانتخابات في الدول العريقة في الديمقراطية؟
وأنه إذا كان من غير المنصف أن نقارن ببعض التجارب في المنطقة التي يتم فيها التحكم المطلق في النتائج من المدخلات إلى المخرحات؟ فهل يعني ذلك أنها انتخابات مطلقة النزاهة وأن الإدارة فيها مطلقة الحياد، وأنه لا توجد أساليب ناعمة لفعل ذلك، لا يغني فيها تسليم المحاضر؟
القاسم الانتخابي… الابتكار الفاسد المفسد:
كان من الممكن أن يتفق الجميع، ونحن معهم، بالانطلاق من التسليم بنتائج الانتخابات والإقرار بنزاهتها نزاهة مطلقة، وبناء على ذلك أن نكون سباقين إلى تجريم التشكيك فيها، لو لم تكن من الانتخابات النادرة في العالم إن لم تكن الوحيدة التي اعتمدت من خلال ابتكار “حيلة” تسمى القاسم الانتخابي!!
“الحيلة الانتخابية” التي تجعل من لم يحضر في الانتخابات ولم يدل بصوته فيها مؤثرا في النتائج قدر تأثير المشاركين وربما أكثر إذا كانت نسبة من لم يدلوا بأصواتهم أكبر.
وبصورة أخرى “حيلة “تجعل المقاطعين والعازفين عن المشاركة يتحكمون بأقدار معينة في النتائج، لأنه بكل بساطة القاسم الانتخابي يحتسب على قاعدة المسجلين في اللوائح الانتخابية حتى ولو لم يشاركوا في التصويت و كانوا فيه من الزاهدين أو المقاطعين أو الناقمين على الأوضاع السياسية والاجتماعية.. إنهم وهم مقاطعون للانتخابات، أو لم يدلوا بأصواتهم لسبب من الأسباب، يؤثرون في النتيجة النهائية ما داموا يُعتبَرون في احتساب القاسم الانتخابي، ومعنى ذلك أن نتائج الانتخابات يقرر فيها المقاطعون بقرار غير إرادي أي الذين لم يدلوا بأصواتهم لسبب من الأسباب، مادام القاسم الانتخابي يُحتسب على قاعدة المسجلين وليس على قاعدة الذين عبروا عن اختيارهم من خلال الذهاب إلى مراكز الاقتراع.
غير أن أغرب ما سمعناه وما نقل عن السلطات المعنية أنها قد ” تحرك” متابعات فيمن يشكك في الانتخابات، وقد نسمع عن متابعات لمن طعنوا سياسيا فيها بل ربما لمن تقدموا بطعون انتخابية ..
والواقع أن الشك شعور فطري وطبيعي، بل جعله كبار الفلاسفة عنوانا للتفكير والتفكير دليل على الوجود، كما ذهب إلى ذلك ديكارت في ما يعرف بالكوجيطو القائل: أنا أشك أنا أفكر إذن أنا موجود.
والله عز وجل في عليائه، لم يستكثر الشك من نبي من أنبيائه، وهو أبو الأنبياء سيدنا إبراهيم عليه السلام حين قال لربه: “أرني كيف تحيي الموتى: قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي”.
لم يرفع ربُنا عز وجل في وجه إبراهيم تهمة التشكيك في القدرة الإلهية، ولكن اعتبر أن اطمئنان القلب لا يتحقق دائما، وأن الاطمئنان لا يقع إلا بارتفاع ما يفسده ويشوش عليه..لم يُخرِج ربُنا عز وجل سيدنا إبراهيم من الإيمان أومن الجماعة، ولم يرفع في وجهه عصا التهديد لأنه تصرف تصرف البشر العاقل الذي يريد أن يطمئن ويبحث عما يقوي الإيمان في وجدانه، ولم يواجهه الخالق سبحانه ب”تهمة” التشكيك في القدرة الإلهية على إحياء الموتى…
وعلى العكس من ذلك كان الجواب حواريا فيه سعي لإقناعه من خلال حجج مادية ملموسة تدل على قدرة الله على الخلق، رغم أن سيدنا إبراهيم لم يسأل عن قدرة الخالق على الخلق بل عن كيفية الخلق.
فكان الجواب: “قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله على كل شيء قدير”.
الشك الحرام هو الشك الذي، يتناول ما قرره الخالق في كتبه وعن طريق رسله من حقائق الكون وعن الخلق والرزق والمصير.
أما الشك الممحص خاصة إذا كان هناك من القرائن ما يدفع له، فهو شك مطلوب ومأمور به.. بل إن الله تعالى قدم لسيدنا إبراهيم دليلا ماديا ليطمئن قلب نبيه كما في الآية أعلاه..
التلويح بتجريم الشك والتشكيك في نتائج الانتخابات، هل يدخل في دائرة التهديد؟
بناء على هذا الحوار بين رب العزة وسيدنا إبراهيم لا يمكن إلا أن نستغرب ما صدر من قبل السلطة الحكومية المشرفة على الانتخابات من إشارات وتلويح يفيد التحذير من مغبة التشكيك في نزاهة الانتخابات، مما قد يعتبره البعض تهديدا صريحا أو مبطنا لكل سلوك أو تصريح يسير في هذا الاتجاه.
وفي ذلك مساس بحرية التعبير وحرية نقد الممارسات الانتخابية التي قد تصدر عن مدبري الانتخابات أو الفرقاء السياسيين والحزبيين المشاركين فيها، من خلال توظيف والتلويح بمفهوم “الأخبار الزائفة”، وهو مفهوم فضفاض وغامض، وفيه خلط بين النقد السياسي المشروع والتشكيك المغرض.
هو مقتضى سيترتب عنه تهديد صريح لكل صوت يناقش تدبير الإدارة للانتخابات.. علما أن مما سارت به الركبان وتواترت به التجارب السابقة أن نزاهة الانتخابات في المغرب لا يزال بيننا وبينها أمد بعيد، كما يشهد على ذلك اعتماد ما يعرف ب “القاسم الانتخابي”.
القاسم الانتخابي غير ديمقراطي… ومن أكبر الحيل التي أسهمت في نتائج الانتخابات السابقة… فهل هناك من أمل في المراجعة؟
وأن من أكبر المداخل التي أفسدتها “حيل قانونية” من قبيل “القاسم الانتخابي” الذي يجعل من لم ييشاركوا في الانتخابات أو من المقاطعين لها مؤثرين في نتائجها.
فالعقل المدبر للانتخابات بعد أن كان في عهود بائدة يعمد لتهريب الصناديق قد تفتقت “عبقريته” على حيلة انتخابية تسمى “القاسم الانتخابي” باعتماد قاعدة المسجلين في احتسابه القاسم الانتخابي وليس قاعدة الذين أدلوا بأصواتهم!!! مما يقلب القاعدة الفقهية والقانونية التي تقول: “لا ينسب لساكت قول”.
فالساكت في هذه الحالة أي المسجل المقاطع الانتخابات أو الذي لم يدل بصوته أصبح “ناطقا ” وفاعلا أساسيا في تقرير النتائج الفعلية للانتخابات ومال الخريطة السياسية.
كان من المفترض أن تعمل السلطات والأحزاب السياسية في “المشاورات” على مراجعة هذا المقتضى، بدل أن تنتهي إلى الإقرار العملي بأن مصير العملية الانتخابية محكوم بقاعدة: “ينسب للساكت قول” أي بعد حذف “لا” النافية فيصبح ل “الساكت قول” وتأثير في نتائج العملية الانتخابية من خلال عملية حسابية “بهلوانية”…
ويبدو أن مواصلة الإصرار على اعتماد “القاسم” المعلوم لن يجعل من الانتخابات القادمة مختلفة عن سابقتها ما دامت قائمة على آلية أو “حيلة” القاسم الانتخابي الذي يبدو أنه فريد في العالم إلا أن يظهر العكس.
وحتى لو وجدت تجارب تعمل به، فإنه لا يليق بمغرب المونديال.. وبمغرب القرن الواحد والعشرين الذي ينبغي أن يقطع مع الأساليب القديمة… ومنها التلويح بعصا التحذير والتهديد من مغبة التشكيك في الانتخابات القادمة..
واعتماد قاسم انتخابي من خلال احتسابه على عدد المسجلين لا عدد الأصوات المعبر عنها فعلا.. ليس مجرد شبهة… بل تعمد مقصود على -ما يبدو عند من تفتقت عبقريته عنه – لجعل غير المصوتين يتحكمون في نهاية المطاف في نتائج الانتخابات..
والتلويحات أو التهديدات المبطنة المحذرة من “التشكيك” في نزاهة الانتخابات تعد سلوكا غير مقبول.. ولغة لا تليق ببلد مقبل على تنظيم المونديال الذي ينبغي أن نقدم بين يديه ليس فقط ملاعب بمواصفات عالمية، بل ممارسة انتخابية بمواصفات عالمية تضاهي أعرق الديمقراطيات في العالم…
والشاهد عندنا أن لا قداسة لأي كان، كما جاء فيما نقله المستشار الملكي محمد معتصم للجنة إعداد الدستور التي كنت عضوا فيها ممثلا للاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، حين نقل عن الملك قوله: “القداسة لله والعصمة للأنبياء وإنما أنا ملك مواطن”.
ومن الأولى بالنسبة لمن هو دون مكانة جلالة الملك في سلم المسؤولية في الدولة أن لا يسعى لإضفاء نوع من القداسة على تدبير إداري للانتخابات، بل أن يسعي لخلق أكبر قدر من الاستعداد والثقة في حياد الجهة المشرفة على تنظيم الانتخابات وليس التلويح بنوع من التهديد والتخويف المبطن من “مغبة” التشكيك فى نزاهة الانتخابات…
وإذا كان جلالة الملك أمير المؤمنين قد أرسل من خلال تلك الكلمة التي أوردناها أعلاه إلى لجنة تعديل الدستور، رسالة من ذهب تنفي عن نفسه العصمة، فأولى بنفيها السلطات المشرفة على الانتخابات بدءا من وزير الداخلية نزولا الى أبسط عون في التراتبية الإدارية…
