شيخي يكتب: استقالة رئيس لجنة المناهج.. حينما يصبح “هدر الزمن” عنواناً للإصلاح

لم تكن استقالة الأستاذ محمد الصغير جنجار من رئاسة “اللجنة الدائمة لتجديد وملاءمة المناهج والبرامج” مجرد حدث إداري عابر، بل جاءت لتكشف وجهاً آخر من الاختلالات البنيوية العميقة في تدبير منظومة التربية والتكوين. إن هذه الخطوة المفاجئة ليست إلا الشجرة التي تخفي غابة من التردد والارتباك، وسوء التقدير والاختيار في تنزيل مقتضيات القانون الإطار 51.17؛ وهو ما يدفعنا اليوم -أكثر من أي وقت مضى- للتساؤل بجدية عن كلفة هدر الزمن الإصلاحي على مستقبل الأجيال الناشئة.

إن المتأمل في كرونولوجيا تشكيل هذه اللجنة، يقف مذهولاً أمام حجم البطء غير المبرر؛ فبين صدور مرسوم إحداث اللجنة في شتنبر 2021، وتعيين رئيسها وأعضائها في فبراير 2024، ضاعت قرابة ثلاث سنوات ثمينة في دهاليز الانتظار. وها نحن اليوم، بعد مرور فترة أخرى من الصمت المؤسساتي وغياب أي نتائج أو مخرجات لهذه اللجنة، نعود بهذه الاستقالة إلى نقطة الصفر.

ولعل المفارقة التي تثير الاستغراب، أننا في الوقت الذي كنا ننتظر فيه تقارير مرجعية ودلائل لتوجيه الإصلاح، تنشغل الحكومة بإصدار مراسيم لتعويضات الأعضاء بعد أكثر من أربع سنوات من إحداث اللجنة، وسنتين من تعيينها. ويحدث هذا، للمفارقة، في الأسبوع نفسه الذي قدم خلاله رئيس اللجنة استقالته، في مشهد يطرح أكثر من علامة استفهام، ويوحي بحجم العبث في تدبير ملف حيوي واستراتيجي بهذا الحجم.

لقد فتح الفراغ المرجعي، الذي خلفه تعطل عمل اللجنة، الباب واسعاً أمام ما يمكن تسميته بـ”منطق التجريب” داخل المؤسسات التعليمية، في غياب الاستناد إلى الدلائل المرجعية التي أناط القانون الإطار بهذه اللجنة مهمة إعدادها. والنتيجة الطبيعية لهذا الوضع هي استمرار تدني المؤشرات التربوية وتراجع تصنيف المغرب دولياً؛ لأن الإصلاح لا يمكن أن ينجح دون البوصلة التي تحدد المناهج والبرامج وفق رؤية واضحة ومستقرة.

وعلاوة على إشكالية الزمن، يبرز إشكال الاختيار لمسؤوليات التنزيل كأحد الدروس التي يجب استيعابها. إن منصب رئاسة وعضوية هيئة بحجم “لجنة المناهج” يتطلب شخصيات بمواصفات خاصة؛ قامات وطنية تحظى بالإجماع، وقادرة على تحييد المنظومة عن أي تجاذبات إيديولوجية أو سجالات فكرية عقيمة. لقد كان الجدل الذي رافق التعيين السابق ضمن هذه اللجنة مؤشراً على غياب هذا الشرط الضروري، من خلال تركيبة هيمنت عليها توجهات وحساسيات معينة، فضلاً عن تهميش الكفاءات الميدانية والمتمرسة في القطاع وإقصائها، وهو ما أسهم بلا شك في تعميق حالة الجمود التي انتهت بالاستقالة.

إن أي خطوة في اتجاه تصحيح المسار لن تكون ذات جدوى في ظل الإصرار الحكومي الفج وغير المفهوم على تعطيل الآلية القانونية الطبيعية للتتبع وتصحيح الاختلالات، والمتمثلة في “اللجنة الوطنية لتتبع تنزيل القانون الإطار”؛ هذه اللجنة التي ينص عليها القانون، والتي كان من المفروض -حسب مرسوم إحداثها- أن تلتئم مرتين في السنة على الأقل. وبدلاً من ذلك، تواصل الحكومة سياسة التسويف وتكريس الجمود والارتباك.

ختاما، يجب التنبيه إلى أن نجاح أوراش الإصلاح وهيئاته ولجانه رهين، من جهة، بالحرص على التطبيق السليم للقانون وحسن تنزيله من خلال النجاعة في اختيار قيادات تملك الكفاءة اللازمة والحس الوطني الجامع لضمان استقرار المنظومة، ورهين من جهة أخرى بالتصدي للمنطق والعقليات الإدارية البيروقراطية المعرقلة التي لم تستوعب بما يكفي أهمية ورش الإصلاح وخطورته وفلسفته. فالمدرسة المغربية لم تعد تحتمل سنوات أخرى ضائعة في مراكمة التعثرات، بينما جوهر الإصلاح –وهو التلميذ والمنهاج– لا يزال مركوناً في قاعة الانتظار.

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.