نور الدين قربال
عقد المؤتمر الوزاري الثاني بالقاهرة يومي الجمعة والسبت 19 و20 دجنبر 2025، الذي يجمع وزراء الخارجية لدول إفريقية بلغت 50 دولة مع روسيا ممثلة بوزراء خارجياتها بالقاهرة بمصر. لقد ارتفعت المعدلات التجارية بين الطرفين إلى 28 مليار دولار، وتم التركيز على التجارة والاقتصاد والطاقة والاستثمار في أفق تعزيز الدعم والمساندة. لذلك طرحت مصر الاشتغال على اللوجستيك، والكهربة، والزراعة والأمن الغذائي، والتجارة البينية والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي.
إن الهدف من هذه اللقاءات هو إنشاء شراكة متوازنة بين الطرفين، من أجل المساهمة في توازن عالمي تلعب فيه إفريقيا دورا استراتيجيا. هذا ما جعلهما يتفقان على الاستعداد للمؤتمر الثالث بإحضار خطة جديدة تنطلق من 2026 إلى 2029.
إن روسيا توظف الأمن والاقتصاد والسياسة، لتواجه أوربا خاصة فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، لذلك توظف روسيا في خطابها على أن الاستعمار السابق لإفريقيا لم يزدها إلا أزمات وقلاقل وعدم الاستقرار، ونهج سياسة فرق تسد، لذلك جعلت الدعم العسكري والدبلوماسي رهن إشارة الدول الإفريقية.
بهذا الاختيار بدأت روسيا تتموضع داخل الفضاء الافريقي انطلاقا من أبعاد جيوسياسية. فما هي تداعيات هذه الشراكة الروسية الإفريقية؟
القراءات المتنوعة لهذه الشراكة
اثناء الحرب الباردة كانت الاتحاد السوفياتي أنذاك تعقد مع دول إفريقية علاقات بناء على ثنائية الليبرالي والاشتراكي. وبعد سقوط الاتحاد السوفياتي سنة1991 وخط برلين وقع تحول جيوستراتيجي ضمن لليبرالية التوسع بدون منافس، لكن بعد مرحلة البروسترويكا والتحضير الجيد لإعادة التوازن داخل العالم، بدأ الاهتمام الروسي بالقارة الإفريقية من جديد مقدمة خدمات عسكرية ومدنية، خاصة في منطقة الساحل، وإفريقيا الوسطى. من تم آمنت دول إفريقية بالتنسيق مع دول كبيرة تساهم في تشكيل الرأي العام، ومنها روسيا، مستغلة الوضعية المزرية التي عاشتها القارة بعد سقوط الاتحاد السوفياتي. لأن الشراكة بين الطرفين بنيت على مصالح واهتمامات متبادلة، انطلاقا من الاحترام، ومن رؤية برغماتية، خاصة وأن روسيا لا تتعامل مع الدول الإفريقية بالقوة، فالاقتصاد أولوية، بغض النظر عن الاختيارات السياسية نحو الصين كذلك، وإن كان لا يمكن الفصل بين السياسي والاقتصادي. لكن الثغرة المطروحة على الصين وروسيا هي سؤال حقوق الإنسان؟ لكن هذا لا يعني أن القطب الآخر يمثل المثالية في ممارسة الحقوق لأن ما يقع في فلسطين مؤشر على طرح سؤال عريض حول مبادئ عصر الأنوار؟ نفس المنهاج تعاملت معه روسيا مع دول شمال إفريقيا بناء على مبدأ التكافؤ. انطلاقا من دبلوماسية ذكية، وطموحة، وهادفة، وفاعلة. لذلك انعقد المؤتمر الوزاري الثاني بالقاهرة من أجل تعزيز الشراكة الاستراتيجية. للتأكيد فقد سبق هذا المؤتمر لقاء 2019 بسوتشي وكان لقاء تأسيسيا ثم لقاء 2023 بسانت سبورغ ثم لقاء مصر بالقاهرة. إذن ماذا قدمت روسيا لإفريقيا؟
ماهية الحضور الروسي بإفريقيا
أرادت روسيا أن تساهم في التموضع الجيوسياسي للعالم باعتبارها عضوا دائما في مجلس الأمن، لذلك صوتت بالامتناع عن القرار الأممي 2797 المتعلق بمشروع الحكم الذاتي للصحراء المغربية تحت السيادة المغربية. بدل حق الفيتو نظرا للعلاقة الدبلوماسية مع المغرب والشراكة الاستراتيجية بين الطرفين، وكون المغرب ينهج دبلوماسية الوضوح والطموح تحت القيادة الملكية فقد اتخذ المغرب موقفا محايدا من الحرب الروسية والأكرانية.
إن الرهان الروسي على قارة يبلغ عدد سكانها حوالي مليار نسمة و400 مليون وتمتاز بموارد بشرية مهمة وطبيعية رهان استراتيجي كبير، عنوانه الأكبر الحماية والكرامة. في تدافع مع الصين والهند والولايات المتحدة وكوريا الجنوبية وباكستان والدول التقليدية القديمة. رافعة شعار: نظام عالمي عادل متعدد الأقطاب اعتمادا على مرجعيتين: أهداف الاتحاد الإفريقي 2063، وأهداف الأمم المتحدة الإنمائية 2030. مع استحضار البعد الثقافي والإيديولوجي واللغوي.
لقد تضمنت الشراكة الروسية الإفريقية الاقتصاد، والتجارة، والاستثمار، ودعم السلم والأمن والاستقرار، وتحقيق التنمية المستدامة. معلنين بالقاهرة البداية في وضع خطة تنطلق من 2026 إلى 2029. السؤال الجوهري كيف ستدبر روسيا هذا التدافع بين بلدان أخرى لها اتفاقيات مع الدول الإفريقية، بل كيف ستستفيد القارة نفسها من هذا السيل المتدفق عليها حتى تضمن مكانة راقية على مستوى مؤسسات اتخاذ القرار العالمي وتكسر القولة المشهورة إفريقيا غنية وشعوبها فقيرة؟
