نعيمة بويغرومني
هذا المقال ليس سردًا للتذمّر، ولا تمرينًا في البلاغة الغاضبة، بل محاولة لتسمية ما يجري في هذا الوطن الغالي دون مساحيق.
اننا أمام تحوّل عميق في منطق تدبير شؤون البلد، حيث لم يعد الفشل يُربك الحكومة أو يستدعي المراجعة، بل صار يُدار ويُبرَّر ويُحمَّل للمجتمع.
فقبل *عزيز* ، كان الإخفاق يحرج أما بعده، فأصبح جزءًا من الخطاب اليومي، يُسوَّق كواقعية سياسية، ويُحصَّن ضد النقد باتهامات التشويش وسوء النية…. والحسد….
ما بعد عزيز ليس ظرفًا دوليًا صعبًا، ولا سوء حظ عابر ، بل خيار سياسي واضح: حكومة تنسحب من أدوارها الأساسية، ثم تطلب من المواطن أن يتدبّر أمره وحده.
قبل *عزيز* ، كان الفشل يُحرج.
بعده، يُبرَّر.
قبل *عزيز* ، كانت الحكومة تُنتقد صباح مساء،
*بعده* ، تُصفّق لنفسها وتتهم المنتقدين التشويش و الحسد…
ولكل آفة جواب :
*البطالة* ؟ الجفاف.
*الغلاء* ؟ الحرب على أوكرانيا.
*الفساد* ؟ تقارير أجنبية مغرضة، ومعارضة معرقلة وظلامية.
إنها حكومة *لا تخطئ* أبدًا… لكنها *تفشل* دائمًا.
*الاقتصاد* ينمو في العناوين، *ويتآكل* في الجيوب.
لا يشعر به العامل، ولا العاطل، ولا الموظف، ولا المتقاعد…
يشعر به فقط من راكم واحتكر ومرّر الصفقات، ومن هو في فلكه…
الفوارق الاجتماعية لم تعد خللًا عابرًا، بل سياسة توزيع معكوسة: من الأسفل إلى الأعلى.
في الفلاحة، لا سيادة ولا مخزون ولا حماية.
الأرض للتصدير، الماء للربح، والغذاء للاستيراد.
وحين ترتفع أسعار القمح واللحم، يُطلب من المغاربة الصبر. أما “السمك” فقد صار غذاء الأغنياء في *بلد* *البحرين* ….
حكومة لا تزرع، ثم تستغرب لماذا نجوع؟ حكومة تصدر وتصدر ، على حساب الاكتفاء الذاتي…
أما المدرسة العمومية، فقد تحوّلت إلى مصنع لإنتاج الشاشة، مع أفق علمه عند الله فقط…
من أراد *التميز* ، فليطرق أبواب التعليم الخصوصي… فالعروض *مغرية* وعلى درجات عالية من التفاوت الذي *يخلق* الفرص لكنه *يخنق* أنفاس الأسر.
هذه ليست *صدفة* ، بل *هندسة* *اجتماعية* بلا أقنعة.
حتى مهن العدالة لم تسلم،
لأول مرة في تاريخ المغرب، تُنظَّم مباراة المحاماة مرتين في سنة واحدة ، لا لضمان الجودة، بل لتقنين الإقصاء.
مهنة الدفاع، التي وُجدت لحماية الحقوق، تُدار اليوم بعقلية الحاجز: ادخل إن استطعت، واصمت إن أُقصيت.
وحين يحتج الشباب، يُقال لهم: “الإصلاح مؤلم”.
أي إصلاح يبدأ بإغلاق الأبواب؟
وفي مقابل هذا الانهيار البنيوي، يُراد للرأي العام أن *ينشغل* *بالقشور* : تثمين العمل المنزلي، المساواة في الإرث، وشعارات أخلاقية، ونقاشات هامشية لا تُغيّر في ميزان القوة شيئًا…
*كرامة* بالكلام ملفوفة بشعار ” *الحكومة* *الاجتماعية* ” وبؤس بالفعل…. و *التفاف* على حصيلة الحكومات السابقة…
أما بعض الإعلام، فلم يعد سؤاله: *ماذا* *يحدث* ؟
بل: لمن يصمت؟ ومن يُمنع من الكلام؟
فإما *تطبيل* لإنجازات وهمية، أو متابعة مُسيَّجة تُفرغ القضايا من جوهرها.
الأمثلة مقلقة وفاضحة:
صحفي يُحاصر لأنه سأل.
منبر يُخنق لأنه ألحّ
ثم يُقال لك: “كن *وطنيًا* ”.
فهل الوطنية اليوم هي الصمت؟
أما الضربة الرمزية القاصمة فهي اننا لم نحتفل، بعيد الأضحى كما عرفه المغاربة منذ عرفوا الاسلام.
لم يكن ذلك اختيارًا ثقافيًا، بل نتيجة مباشرة لسياسات أفقرت الناس…
وقبل أن يُطوى الملف بالصمت، تطالعنا *كارثة الحوز* ، وما تزال شاهدة عليها : بيوت مهدّمة، خيام، ووعود تتبخر مع كل فصل.
وفي الجهة الأخرى، *زلزال* *تركيا* : *كارثة مماثلة* ، لكن تعامل مختلف، إعلان آجال، برنامج واضح، وتسليم مفاتيح البيوت لأصحابها.
*المقارنة* *قاسية* ، لكنها ضرورية: هناك حكومة تتحمّل المسؤولية، وهنا حكومة تُدير الانتظار بجذارة.
في *المناصب العليا* ، الكفاءة صارت تهديدًا، والنزاهة عبئًا، والاستحقاق كلمة قديمة….
وقس عليها مناصب أخرى… لا يعرفها إلا المقربون المحظوظون….
وفي الإعلام ، يُطلب من المواطن أن يصدّق الخطاب، لا أن يثق بما يعيشه.
وبالجملة، *عزيز* ليس اسم رجل أعمال ولا شخصًا مشهورًا.
عزيز *عقلية تدبير حوراء* :
*حكومة* تُدار بمنطق الشركة،
*مواطن* يُعامل كزبون،
*فقراء* يُنظر إليهم كعبء،
*ومحاسبة* تُعدّ إزعاجًا.
وحين تُدار الحكومة بمنطق “ *دبّر راسك* ”،
ستحصل فقط على *سوق* *واسعة* وفسيحة:
بائع “ *شاطر* ” في إدارة السوق *بميزانه* هو فقط
*ومواطن* زبون، متعب، مكتوي، غاضب…
لكنه مطالب دائمًا بالصبر، والوطنية، وعدم التشويش على *المنجز* …و” *لا* *منجز* ”…. ولا حول ولا قوة الا بالله.
