أمري محمود، نائب برلماني سابق، عضو المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية.
تتبعنا في الآونة الأخيرة مجموعة من الباحثين والصحفيين يطلقون العنان لأقلامهم لتقييم تجربة حزب العدالة والتنمية في تدبير الشأن العام خلال أزيد من عقد من الزمن من موقع التدبير الحكومي، وكأنهم يستكثرون على العدالة والتنمية كل توقع بتصدره من جديد للمشهد السياسي ببلادنا خلال الاستحقاقات المقبلة، ودون الدخول في مبررات هذا الحديث وخلفياته، واستكناه نوايا أصحابه فإن الذي لا خلاف حوله هو نظافة أيدي كل منتسبي العدالة والتنمية ممن دبروا الشأن العام طيلة عقدين من الزمن على الأقل إن على المستوى الحكومي والبرلماني وكذا تدبير الجماعات الترابية، وهذا لا يعفينا من القول بأنهم بشر كسائر البشر وقعوا وقد يقعوا في أخطاء لكن تبقى تجربة العدالة والتنمية من بين أنظف التجارب الحكومية على الإطلاق منذ بداية الحياة السياسية ببلادنا منذ عقود.
ودون الدخول في مناقشة كل الداعين إلى وصف عودة حزب العدالة والتنمية إلى تصدر المشهد السياسي بكونه لن يأتي بجديد وغير مؤهل لذلك ولا يتوفر على كفاءات والحديث عن أخطاء التدبير وما إلى ذلك من الأوصاف، فإن الذي استوقفني كثيرا هو مقال للصحفي علي أنوزلا والذي تحدث فيه عن كل شيء بإسهاب دون قليل من الإنصاف في مقال لجريدة العربي الجديد تحت عنوان: “هل يجب تجديد الثقة في العدالة والتنمية؟”، وهو عنوان يطرح أكثر من علامة استفهام ولا يمكنني إلا أن أقابله بسؤال مشابه هل هناك من يجب تجديد الثقة به غير العدالة والتنمية، وحتى لا نكون عدميين ونسحب الأهلية من الفاعل السياسي لا بد وأن نقر بأن أفضل من يستحق أن نجدد فيه الثقة هو العدالة والتنمية بعد ما شاهدناه مع هذه الحكومة الحالية، مع احترامي وتقديري الكبير لكافة الفاعلين السياسيين وللعمل السياسي الجاد الذي تقوم به الأحزاب السياسية ببلادنا.
وبلغة ليست كلغة الأستاذ المحترم علي انوزلا والذي لابد من الإقرار أن في مقاله الكثير مما نتفق حوله لكن وبكل إنصاف أن الذي غاب عن مقال صاحبنا هو عدم قدرته على تسمية الأشياء بمسمياتها، وهو الذي أشار على أن الإجابة يجب أن تتصف بقدر كبير من الموضوعية الفكرية والابتعاد عن الأحكام الجاهزة وتحدث على أن الحزب قاد الحكومة لولايتين حكوميتين وتصدر المشهد السياسي لعقد من الزمن وشكل تجربة سياسية مهمة في تاريخ المغرب الحديث لكن الذي غاب عن صاحبنا وهو يتحدث ما أسماه بهزيمة 2021 ألا يتحدث عن المفاعيل الخارجية التي أدت إسقاط الحزب من الرتبة الأولى إلى التاسعة ببضعة نفر، أليس غريبا ما وقع ألم تكن هناك حملة غير مسبوقة على الحزب، واستعملت أموال طائلة تحت مسميات عديدة واستغلت وسائل الدولة للقيام بحملات لفائدة مرشحين بعينهم، كما منع مرشحو الحزب من الحصول على المحاضر وتم ترهيب أناس كثر لمنعهم من الترشح باسمه وغيرها كثير من الممارسات التي تخدش في المسار الديموقراطي الذي ارتضته بلادنا منذ دستور 2011، كما أن هناك سؤالا عريضا يتعلق بمخرجات العملية الانتخابية نفسها سواء على مستوى الهيكلة الحكومية وسيطرة رجال الأعمال ولوبي المصالح على عملها وتصورها، أو على مستوى المجالس الترابية التي تشهد كوارث كبرى على مستوى التدبير وتعرف ارتباكا منقطع النظير جراء المتابعات القضائية ،حيث أن هذه الولاية التشريعية شهدت أكبر عدد من المتابعين على الإطلاق في تاريخ الحياة السياسية المغربية منذ الاستقلال.
على هذا الأساس فإن واجب المرحلة يقتضي من أعضاء حزب العدالة والتنمية الانخراط الفاعل، فالمرحلة تتطلب توحيد الرؤى، فنحن أمام تحدي التواجد الميداني والتعبئة الداخلية ورص الصفوف وسد الثغور وإيقاف كل ما من شأنه أن يربك الصف ويشل الفكر ويعطل الحركة ويفت العضد وهنا أعتقد أن هناك أربعة مداخل أساسية تؤطر المرحلة:
أولا : الخروج من متلازمة الهزيمة أو الفشل (اتيكيفوبيا ):
يعاني عدد كبير من مناضلي حزبنا رغم حالة التعافي التنظيمي التي عرفها حزبنا والتي من خلالها أعاد توهجه ومكانته على الساحة السياسية كأهم فاعل سياسي حالي قادر على الفعل والتعبير عن مواقفه وخصوصا بعد المؤتمر الأخير، لكن هذا لا يعفينا من القول أن هناك حالة نفسية يشتم منها تسرب ما يسمى بمتلازمة الخوف من الفشل عند البعض، وهي ما يجعل عددا مقدرا من أعضاء الحزب يركن إلى فترة كمون وسُكون، وهو خوف مبالغ فيه من الفشل يؤدي إلى تجنب التجارب الجديدة والمخاطرة والخوف من خذلان الآخرين، وهذا مما لا يستقيم ومما لا يجب الركون إليه. ولذلك تجد البعض يعلق عدم انخراط مجموعة من الإخوة إلى اختلاف وجهات النظر منذ فترة البلوكاج وما تلاها من نقاش حاد زاغ أحيانا عن المألوف وتجاوز الذات التنظيمية إلى شخصنة غير مفهومة، أفرزت لنا موالاة غير مفهومة بررت كل تصرف وفعل بمنطق المصلحة العامة وغاب النقد والحوار إلا ما كان خارج الفضاءات التنظيمية، لكن وبعد مرور ثلاثة مؤتمرات للحزب منذ تلك المرحلة وتهافت أطروحة الصمت والإنجاز بعد نتائج 2021 سنة لم يعد مقبولا منا جميعا عدم الخروج من هذا المنطق الانهزامي، لذا على كل شرفاء العدالة والتنمية الاصطفاف من أجل المعركة الكبرى وهي معركة حماية العملية الديمقراطية وإرجاع حزبنا حقيقة وعلى أرض الواقع إلى حجمه الطبيعي وطموحه المشروع في قيادة المرحلة المقبلة.
ثانيا: التوجه نحو إنجاح الورش الانتخابي برؤية واضحة:
لا يختلف اثنان حول كون الانتخابات هي التعبير الحقيقي عن إرادة المواطنين وهي ما يرهن اختياراته للفترة الانتدابية، وتكتسي الانتخابات التشريعية أهمية خاصة اكثر من غيرها كونها تفرز الحزب السياسي الفائز وبناءا على نتائجها تحدد الأغلبيات في سائر الأنظمة السياسية، لذا يجب أن ينصب النقاش والفعل حول استعادة الحزب لمكانته المسلوبة منه خلال استحقاقات 2021، والذي لا يختلف حوله أغلب منتسبي العدالة والتنمية أن نتيجة الحزب ليست حقيقية ولا تعكس مكانته، وأن الانتخابات السابقة شابتها اختلالات كبيرة ويؤدي المواطن ثمنها من قُوتِه وحريته وهويته وصحته وتعليمه. ولذلك فإن المعركة الحقيقية منذ اللحظة هو كسب رهان الانتخابات باعتبارها وسيلة وليست غاية في حد ذاتها، فهي التي تمكن التنظيمات عبر العالم من التعبير عن مواقفها وتنزيل برامجها، من هنا وجب على جميع منتسبي العدالة والتنمية وقادته ألا ينظروا إلى المرحلة الانتخابية بمنطق انهزامي يستحضر فقط الأخطاء والتدخل السافر لبعض أطراف السلطة ولوبيات المصالح والفساد، فهؤلاء باقون وقد تتجدد أساليبهم بطرق أخرى رغم خطاب الطمأنة الذي يروج له حاليا، فالعقليات لا زالت كما هي ومنطق المصالح واللوبيات لا زال مستشريا. لذلك يجب أن يتعامل مع هذه المحطة الانتخابية باعتبارها محطة وفرصة سانحة للعودة إلى المكانة التي يستحقها الحزب، حفاظا على المسار الديمقراطي الذي انتهجته بلادنا بعد دستور 2011.
ثالثا: تحديد أهداف واضحة للمرحلة المقبلة وعدم الارتهان لأفعال بقية الفاعلين:
يسجل حزب العدالة حضورا قويا على الساحة السياسية بقيادة أمينه العام والعمل الجاد التي تقوم به المجموعة البرلمانية على مستوى المؤسسة التشريعية والهيئات الموازية خصوصا الشبيبة والنساء إلا أن ذلك لا بد أن يتحول إلى أهداف واضحة قابلة للقياس يشتغل عليها الجميع ويشتبك من أجلها مع الفاعلون، وفي نظرنا تبقى قضايا من قبيل محاربة الفساد والريع ومعارك الهوية الجامعة للمغاربة وفشل هذه الحكومة في التعاطي مع قضايا المواطنين والفساد المستشري بين أعضائها وتضارب المصالح، إضافة إلى قضايا التأهيل الحضري وفضائح التدبير الترابي قضايا لا يمكن السكوت عنها، ولا بد من إبداء المواقف بشأنها وتسجيل الحضور الوازن والفاعل إزاءها. وهو ما يقتضي ضرورة قيادة المبادرة المحلية للحزب على المستوى المجالي بدل الارتهان لمبادرات الأمين العام والأمانة العامة للحزب.
رابعا : إطلاق دينامية تواصلية تسند قيادة الحزب جهويا وإقليميا:
لقد بصمت قيادة الحزب خلال الفترة الأخيرة على مجموعة من المبادرات الناجحة لعل من أهمها الملتقيات الجهوية التي تم تنظيمها من طرف الأمانة العامة للحزب خلال شهري أكتوبر ونونبر وذلك لتأكيد الجاهزية التنظيمية للحزب استعدادا للاستحقاقات التشريعية المقبلة والتي تميزت بحضور نوعي ولقيت نجاحا مقدرا مع تفاوت حسب الجهات، لكن عموما أبرزت هذه اللقاءات الحاجة الماسة إلى مزيد من التأطير للمناضلين على المستوى المجالي في أفق الاستعداد للانتخابات المقبلة، وهذا لا يعفينا من ضرورة تشجيع كل المبادرات على المستوى المجالي ودعم التأطير والتكوين بما يعزز الجاهزية التنظيمية، وهي مناسبة لتنسيق العمل مع شبيبة العدالة والتنمية والتي بصمت أنشطتها هذه السنة بتنظيم الملتقى الوطني وأيضا نساء العدالة والتنمية التي سجلت حضورا كبيرا وخصوصا في العالم القروي وهي دعوة للتنسيق مع باقي الهيئات الموازية من أجل حركية نضالية على المستوى المجالي من الآن إلى تاريخ الاستحقاقات القادمة، ومما تجب الإشارة إليه لا بد من التركيز أيضا على التدبير المحلي وخصوصا على مستوى المجالس الترابية وما تشهده من كوارث بدءا بتصدع الأغلبيات مما جعل اغلب مجالس المدن الكبرى تعرف شللا تاما، ولولا حلول السلطة ممثلة في الولاة والعمال، وما يطرحه ذلك من تداخل وإفراغ لأدوار المؤسسات المنتخبة لتوقفت هذه المجالس تماما، وهي فرصة لمنتخبي الحزب على المستوى المجالي لتتبع مخرجات اللقاءات التشاورية حول الجيل الجديد من برامج التنمية المندمجة والمساهمة الفاعلة في بلورة هذه البرامج وذلك وفق الرؤية الملكية لصاحب الجلالة حفظه الله والعمل على تقديم مقترحات بناءة بشراكة مع باقي الفاعلين الترابيين في إطار مقاربة جامعة لكل الإرادات والتوجهات.
ومما تجب الإشارة إليه وخصوصا بعد نجاح المؤتمر الوطني للحزب بقيادة الأستاذ ابن كيران، أن الحزب شهد دينامية تواصلية كبيرة على المستوى الوطني وهو ما توج بتجديد الهيئات المجالية على المستوى الوطني وتنظيم العديد من الأنشطة والفعاليات، لذلك فإن هيئات الحزب مدعوة إلى التواجد الميداني وتدشين دينامية تواصلية مع كافة المواطنين، فالذي يقوم به الحزب مجهود استثنائي في التفاعل مع كافة القضايا سياسيا يستحق أن يتم التعاطي معه بالتقدير اللازم والتثمين والاعتراف. وهي مناسبة لإسناد قيادة الحزب وخصوصا الأمين العام حتى يحقق الحزب النتائج المرجوة، وهو ما لا يتأتى دون الانخراط الجماعي الواعي والعمل على تجدير رؤية الحزب الإصلاحية القائمة على تحقيق التنمية المنشودة والحفاظ على ثوابت هذه الأمة ووحدتها.
