نعيمة بويغرومني
حين نذكر الوالدين، لا ينبغي أن نخفض الصوت، ولا أن نلوذ بلغة الأرقام وحدها، فالأب والأم ليسا بندًا اجتماعيا قابلا للتأجيل، ولا ملفًا تقنيا يُركَن في رفوف البرلمان.
الوالدان وصية، وبرّ، وميزان أخلاقي تُقاس به إنسانية المجتمعات قبل نجاعة سياساتها.
وما قاله النائب البرلماني، الدكتور مصطفى إبراهيمي بحماسة ممزوجة بمرارة لافتة..قبل يوم، داخل مجلس النواب لم يكن دفاعًا عن مشروع قانون فحسب، بل كان تذكيرًا مؤلمًا بوصية كادت تُنسى:”وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانًا”.
حين ارتفعت نبرة صوة الدكتور على ذلك النحو، ارتفع معها سؤال بسيط، جارح، لا تجيب عنه التقارير: ماذا تفعل الدولة بوالدَين أنهكهما العمر، حين يمرض الجسد وتضيق ذات اليد؟
إننا نُكثر اليوم من الحديث عن تعميم الحماية الاجتماعية، لكننا ننسى أن أول اختبار لأي تعميم هو الوالدان…..
فكيف نقبل بتغطية الزوجة والابن… على هشاشة تلك التغطية أحيانًا… ونترك الأب الذي أفنى عمره، ووصية الرحمان التي سهرت وتعبت وربّت، خارج الحق في العلاج؟ أي منطق هذا الذي يطمئن ضمير الدولة، ويُثقِل ضمير الأبناء أو بعضهم على الأقل؟!
وبالجملة، مشروع التغطية الصحية للوالدين لم يكن رفاهًا تشريعيًا، ولا مغامرة غير محسوبة، كان محاولة متواضعة، عقلانية، لتنظيم البرّ، لا لمصادرته.
كان مساهمة اختيارية، عدد مستفيدين محدود، وضبط مالي ممكن.
لكنه قبل كل ذلك كان رسالة قيمية تقول إن الدولة لا يجوز أن تقف متفرجة على أبنائها وهم يُستنزفون نفسيا وماديا وهم يحاولون القيام بما هو واجب شرعًا وأخلاقًا.
وهنا، لست أذيع سرًا إن صرحت بعقيرة مبحوحة، أن برلمانيي العدالة والتنمية وقبلهم رئيس الحكومة السابقة عبد الاله ابن كيران، أثناء ترافعهم الحامي عن المشروع، لم يتحدثوا بلسان العاطفة وحدها، بل بلسان الدستور والعقل.
ومع ذلك، أُريد للمشروع أن يبدو خطرًا، في عهد حكومة أخنوش، وأُلبس لباس التهديد المالي، وكأن حماية الوالدين ترف، وكأن البرّ عبء، وكأن الإحسان اختلال في التوازنات.
لكن الحقيقة التي لا تُقال من زاوية نظري وزاوية نظر الكثيرين ، أصوغها كالتالي: التخلي عن الوالدين ليس قرارًا بل هو عقوق مؤسساتي.
نعم ، عقوق تُمارسه الدولة حين تنسحب، ثم تترك الأبناء وحدهم في مواجهة مرض الشيخوخة، وتطالبهم ضمنيًا بأن يكونوا أوفياء حيث اختارت هي الغياب….
يا عقلاء هذا الوطن ، يا أهل التشريع ….
في ثقافتنا، في ديننا، في عرفنا… العقوق ليس فقط رفع الصوت، بل أيضًا ترك الوالدين في الهشاشة، فكيف نقبل بعقوق جماعي مُقنَّع بلغة الإصلاح؟ وكيف نُقنع أبناءً بالبر، بينما السياسات العمومية تُدرّبهم على التدبّر الفردي والعجز الصامت؟
ما أعاده الدكتور إبراهيمي إلى الواجهة ليس مشروعًا مسحوبًا، بل ضميرًا مُحرِجًا… وصرخة مبكية بدمع عالق في العين…
لقد ذكّرنا بأن الحماية الاجتماعية إن لم تبدأ بالوالدين، فهي ناقصة مهما اتسعت.
وذكّرنا بأن البرّ لا يُجزَّأ، وأن الدولة التي لا تحمي آباءها وأمهاتها، تطلب من أبنائها ما لا تلتزم به هي نفسها….
قد يُسحَب مشروع، وقد تُؤجَّل قوانين، لكن القيم لا تُسحَب. وسيظل سؤال الوالدين قائمًا، لا في البرلمان فقط، بل في وجدان كل من يدّعي بناء دولة اجتماعية: فهل نريد دولة تُدبّر الملفات… أم دولة تبرّ بآبائها وأمهاتها؟
سؤال، سأترك للزمن فرصة تحرير جوابه، وإلى ذلك الحين، سنظل نبرّ بأمهاتنا وآباءنا مادام فينا قلب ينبض وعرق يتصبب….
