حميد بحكاك، باحث في علم السياسة والقانون الدستوري
أصدر البيت الأبيض وثيقة تحمل عنوان “استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة الأمريكية” بتاريخ 25 نونبر 2025، وقد دأبت الإدارة الأمريكية على إصدارسياستها الأمنية على مستوى العالم حسب السياقات، تحدد فيها التهديدات حسب أهميتها والخطة لمواجهتها، وتأتي هذه الوثيقة في سياق دولي يتسم بتزايد التنافس بين القوى الكبرى، خاصة مع صعود الصين كمنافس قوي لأمريكا وعودة روسيا إلى منطق القوة الصلبة، والإشكالية المركزية لهذه الوثيقة تتمثل في الإجابة على السؤال التالي: كيف تحافظ الولايات المتحدة على موقعها القيادي في نظام دولي يشهد تحولات بنيوية نحو التعددية القطبية.
وتقع هذه الوثيقة في ثلاثين صفحة موزعة على أربعة محاوركما هي معنونة في الوثيقةكالتالي:
I. المقدمة – ما هي الاستراتيجية الأمريكية؟.
II. ماذا تريد الولايات المتحدة؟
III. ما هي الوسائل المتاحة لأمريكا لتحقيق ما نريد؟
IV. الاستراتيجية
1 الهدف العام: هيمنة أمريكا أولا
“أمريكا أولا” هو الشعار الانتخابي لدونالد ترامب في ولايته السابقة (2016-2020) وولايته الحالية (2024-2028) مع شعار آخرهو”اجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى” المختصر في حروف MAGA (MakeAmerica Great Again) هذا الشعار الذي تحول إلى حركة سياسية شعبية تمثلها القاعدة الانتخابية لترامب، هذا الأخير الذي سمى سياسته “مبدأ ترامب” كإضافة إلى “مبدأ مونرو” (ص 5) للرئيس الأمريكي الأسبق جيمس مونرو(1823)الذي وضع سياسة عنوانها “أمريكا للأمريكيين”، بمعنى “أن الولايات المتحدة لن تتدخل في العالم القديم، أي أوروبا وأفريقيا، وفي المقابل لن يتدخل الأوروبيون في الأمريكتين”.
وفي هذه الوثيقة ترجمة وتفصيل لهذا الشعار “الترامبي”،كما أن عودة أمريكا إلى عظمتها حسب الوثيقة تحقق جزء منه في مجموعة من الإنجازات التي حققها ترامب حيث يقول “خلال ثمانية أشهر فقط، قمنا بتسوية ثمانية صراعات مشتعلة – بما في ذلك بين كمبوديا وتايلاند، وكوسوفو وصربيا، وجمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا، وباكستان والهند، وإسرائيل وإيران، ومصر وإثيوبيا، وأرمينيا وأذربيجان،” وفي في عملية “مطرقة منتصف الليل”، دمرنا قدرة إيران على تخصيب اليورانيوم” (مقدمة الوثيقة).
2المجال الحيوي لأمريكا: نصف الكرة الأرضية الغربي
“نصف الكرة الغربي” مفهوم استراتيجي أمريكي ورد في الوثيقةWestern Hemisphere، هو لا يعني منطقة جغرافية محددة فقط وإنما منطقة جيوسياسية تمثل مجالا حيوياوعمقا استراتيجيا لأمريكا على الصعيد الأمني والعسكري والاقتصادي ويشمل هذا المجال كلا من كندا وأمريكا الجنوبية وأمريكا وجزر الكاريبي، ويتماشى مع مبدأ مونرو لعام 1823، الذي أكد رفض أي تدخل خارجي في شؤون أمريكا، وهذه المنطقة حسب تشخيص الوثيقة تعتبر منطقةً هشةً تواجه تهديدات متعددة، تشمل الجريمة العابرة للحدود، وتدفقات الهجرة وعدم الاستقرار السياسي، يُضاف إلى ذلك التواجد المتزايد للقوى المنافسة، ولا سيما الصين وروسيا، والتي يُنظر إليها على أنها قوى صاعدة وتشكل تحدٍ مباشر للنفوذ والهيمنة الأحادية الأمريكية، وبالتالي يصبح نصف الكرة الغربي ساحةً مركزيةً للتنافس على النفوذ واستعادته، حيث تتشابك القضايا الأمنية والاقتصادية والأيديولوجية والعسكرية،تقول الوثيقة “سنمنع المنافسين من خارج نصف الكرة من القدرة على نشر قوات أو قدرات تهديدية أخرى، أو امتلاك أو السيطرة على أصول استراتيجية حيوية في نصف الكرة لدينا. هذا “المبدأ المضاف لترامب” إلى مبدأ مونرو”.
3ثلاثية الدفاع والاقتصاد والتكنولوجيا
بعد تحديد وتشخيص التهديدات المتمثلة في صعود الصين الاقتصادي وروسيا باستعمالها القوة العسكرية، والتحالفات الأسيوية بين إيران، كوريا الشمالية، مع الصين وروسيا وامتداداتها إلى دول أمريكا اللاتينية( الحديقة الخلفية لأمريكا)، حددَت الوثيقة مجالات التهديد المتمثلة في الأمن بمفهومه الواسع كالهجمات السيبرانية، والتغير المناخي، الهجرة الغير النظامية، وأمام هذه الخريطة المتنوعة من التهديدات والمخاطر وضعت الوثيقة استراتيجية تقوم على الجمع بين السياسة العسكرية (دفاعية أو هجومية تدخلية) تخضع لحساب دقيق، أما على المستوى الاقتصادي فقد استعمل ترامب السلاح التجاري من خلال فرض الرسوم الجمركية على العالم بما فيه “حلفائه” ( كندا، الاتحاد الأوروبي، الهند)ثمالتأكيد على دور التحالفات كأداة مركزية للحفاظ على النفوذ الأمريكي، وكذلك في مجال الطاقة تؤكد الوثيقة :”إن استعادة هيمنة أمريكا في مجال الطاقة (في النفط، والغاز، والفحم، والطاقة النووية) وإعادة توطين المكونات الرئيسية الضرورية للطاقة هي أولوية استراتيجية قصوى”.
4 الصين والمحيط الهندي : ساحة المعارك في العقود القادمة
حماية النصف الكرة الغربي هو جزء من معركة كبيرة تتمثل في مواجهة الصين كقوة اقتصادية صاعدة،و الصينأكبر مستفيد من الوضع الحالي،فحسب الوثيقة”أصبحت الصين غنية وقوية، واستخدمت ثروتها وقوتها لصالحها بشكل كبير. وكانت النخبة الأمريكية – عبر أربع إدارات متعاقبة من كلا الحزبين السياسيين – إما مساعدين راغبين في تنفيذ استراتيجية الصين أو في حالة إنكار”، وانطلاقا من هذا التشخيص “الترامبي” ستصبح منطقة “المحيطين الهندي والهادئ هي بالفعل وستظل من ساحات المعارك الاقتصادية والجيوسياسية الرئيسية في القرن المقبل” حسب الوثيقة.
5 أوروبا: الاستقرار الاستراتيجي بدل الاستقلال الاستراتيجي
في الوقت الذي تتحدث فيه أوروبا وتبحث عن “الاستقلال الاستراتيجي”، الذي طرحه الرئيس الفرنسي ويقصد به الاستقلال عن الهيمنة الروسية والصينية من جهة والاستقلال عن الوصاية الأمريكية من جهة أخرى ونهج طريق ثالث، كان للرئيس ترامب ٍرأي آخر هو عدم انضمام الاتحاد الأوروبي إلى الصين أو التبعية لها والإعتماد على ذاتها في المسالة الدفاعية وأن أمريكا لن تتحمل المزيد من التكاليف، وهذا ما جاء في اتفاقية لاهاي لدول الناتو التي تنص على رفع النفقات العسكرية من قبل الأعضاء في حلف الناتو من 2,5 إلى 5 في المائة، كما تتحدث الوثيقة عن التهديد الذي يطال أوروبا من جهة الهجرة والقوانين الوطنية التي تخنق أوروبا، تقول الوثيقة :” إذا استمرت الاتجاهات الحالية، فستصبح القارة غير معروفة خلال عشرين عامًا أو أقل. وبناءً على ذلك، ليس من الواضح ما إذا كانت بعض الدول الأوروبية ستظل تملك اقتصادات وجيوشًا قوية بما يكفي لتبقى حلفاء موثوقين، العديد من هذه الدول تواصل التشبث بمسارها الحالي، نحن نريد لأوروبا أن تظل أوروبية، وأن تستعيد ثقتها الحضارية بنفسها، وأن تتخلى عن تركيزها الفاشل على الخنق التنظيمي” ثم تضيف الوثيقة: “إن من المصلحة الأساسية للولايات المتحدة التفاوض من أجل وقف سريع للأعمال العدائية في أوكرانيا، من أجل استقرار الاقتصادات الأوروبية، ومنع التصعيد أو توسع الحرب بشكل غير مقصود، وإعادة تأسيس الاستقرار الاستراتيجي مع روسيا”، وهذا يتماشى مع سياسته في إعطاء الأولوية للتهديد الصيني المتصاعد.
6 الشرق الأوسط الأولوية للشراكات الاقتصاديةلا للديمقراطية
حسب الوثيقة حظيت منطقة الشرق الأوسط بأهمية كبرى في السياسة الخارجية الأمريكية على مدى نصف قرن، لأن الشرق الأوسط كان ” لعقود طويلة أهم مورد للطاقة في العالم، وكان ساحة رئيسية للتنافس بين القوى العظمى، وكان يعج بالصراعات التي هددت بالانتشار إلى العالم الأوسع وحتى إلى شواطئنا” أما اليوم حسب الوثيقة “على الأقل اثنان من هذه الديناميكيات لم تعد قائمة. فقد تنوعت مصادر الطاقة بشكل كبير، وأصبحت الولايات المتحدة مرة أخرى مُصدِّرًا صافيًا للطاقة”. وبالتالي سيصبح الشرق الأوسط كما جاء في الوثيقة: ” مصدرًا ووجهة للاستثمار الدولي، وفي صناعات تتجاوز النفط والغاز بكثير—بما في ذلك الطاقة النووية، والذكاء الاصطناعي، وتقنيات الدفاع، يمكننا أيضًا العمل مع شركاء الشرق الأوسط لتعزيز مصالح اقتصادية أخرى، من تأمين سلاسل الإمداد إلى دعم الفرص لتطوير أسواق صديقة ومفتوحة في مناطق أخرى من العالم مثل أفريقيا” أما عن مطلب الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان تقول الوثيقة : “يُظهر شركاء الشرق الأوسط التزامهم بمكافحة التطرف، وهو اتجاه ينبغي للسياسة الأمريكية أن تستمر في تشجيعه. لكن تحقيق ذلك سيتطلب التخلي عن التجربة الأمريكية غير الموفقة في توبيخ هذه الدول—وخاصة الملكيات الخليجية—لدفعها إلى التخلي عن تقاليدها وأشكال حكمها التاريخية. ينبغي لنا أن نشجع ونثني على الإصلاح عندما يظهر بشكل عضوي، دون محاولة فرضه من الخارج”وتضيف الوثيقة “لدينا أيضًا مصلحة واضحة في توسيع اتفاقيات أبراهام لتشمل المزيد من الدول في المنطقة ودول أخرى في العالم الإسلامي”.
وبالتالي أصبحت العلاقة مع إسرائيل ودمجها في المحيط العربي والإسلامي ذات أولوية في الشرق الأوسط لأنها الضمان لتحقيق المصالح الأمريكية وحمايتها في المنطقة.
7تنزيل سياسة الأمن الاستراتيجي: البداية من فنزويلا
هل تشكل عملية اعتقال رئيس فنزولا ومحاكمتهووضع اليد على آبار البترول بداية لترجمة شعار أمريكا للأمريكيين، ففنزويلا ترقد فوق بحر من البترول وتعد أكبر احتياطي عالمي، وعلاقة فنزويلا مع الصين وروسيا اقتصادية قوية فيما يتعلق بالطاقة، كما يسعى ترامب حسب تصريحاته إلى إلحاق أو احتلال جزيرة كريلاند التابعة للدنمارك، ودولة الدنمارك عضو في حلف الناتو، كما أعلن سابقا عن نيته في ضم كندا إلى أمريكا وهي عضو في حلف الناتو أيضا مما خلق جوا من الرعب والخوف لدى الحلفاء التقليديين لأمريكا، كما أعلن ترامب انسحابه من 66 منظمة دولية، والقية تأتي.
في الخلاصة
تعكس هذه الوثيقة انتقال الولايات المتحدة من منطق الهيمنة المطلقة إلى منطق إدارة التنافس، معتمدة على أدوات متعددة تتجاوز القوة العسكرية التقليدية، كما تعكس وثيقة الأمن الاستراتيجي الأمريكي وعياً متزايداً بتحول بنية النظام الدولي، وبالتالي تعبَر الوثيقة عن انتقال الولايات المتحدة من مرحلة الهيمنة المطلقة إلى مرحلة إدارة التراجع الذكي.
والسؤال المطروح: إلى أي حد سينجح ترامب في إعادة المجد لأمريكيا وفي تنزيل سياسته التي خلقت جدلا في الداخل الأمريكي قبل العالم الخارجي، أم أنه سيسرَع من وتيرة انهيار أمريكا وإشاعة الفوضى كما تذهب إلى ذلك بعض التحليلات ومنها تصريحات مسؤولي الحزب الديمقراطي الأمريكي، فلا وجود في الوثيقة لعبارات: احترام النظام الدولي أو القانون الإنساني، كما غابت كلمات كالأمم المتحدة وميثاقها.
